رؤى

الثقافة الرقابية

عبد الله الخنيني

مساهم في رؤى الراي

الكويت: يحتفي شهر نوفمبر بالدورة 42 لمعرض الكويت الدولي للكتاب، وهو حدث ثقافي يتزامن أيضا مع الانتقادات السنوية للرقابة في الإطارين الاجتماعي والقانوني. وقد وصل معرض الكتاب هذا العام إلى مستوى جديد من الرقابة، باستخدام المفتشين لأجهزة رقمية للتأكد من عدم وجود كتب محظورة بين معروضات المشاركين. بينما أدلى عدد من النواب ببيانات تعارض إجراءات الرقابة التي تقوم بها وزارة الإعلام على حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي بشأن هذه المسألة.

في العام الماضي، أعلنت وزارة الداخلية أنّ فريقاً من الوزارة سيعمل على مدار الساعة لرصد ومراقبة البرامج التلفزيونية التي سيتم بثها على القناة الوطنية خلال شهر رمضان. في الواقع، تتم مراقبة جميع النصوص والبرامج التلفزيونية المسجلة قبل الموافقة على إنتاجها. ومع ذلك، شكلت الوزارة فريقا للتحقق من مرحلة ما بعد الإنتاج، فأضافت بالتالي طبقة أخرى الى الرقابة على وسائل الإعلام.

تتمثّل الرقابة بأشكال عديدة: 1) الرقابة الوقائية المسبقة، التي تأتي على شكل لجنة أو هيئة للتحقق من الفيديو أو النص قبل السماح بنشره للجمهور. 2) عقوبة ما بعد النشر، التي يتم تمكينها بموجب القانون، وفي معظم الحالات لتنفيذ العقوبة يجب اتباع إجراء قضائي مسبق. 3) الرقابة الذاتية، وتعني تقيّد الشخص بتجنب المحظورات أثناء قيامه بعمله خوفا من إثارة سخط الحكومة أو إهانة الجمهور.

تتفاوت تشريعات الرقابة في الكويت من حيث الشكل والعقوبات. قبل عشر سنوات، اعتبر إصدار قانون الصحافة والنشر وقانون الإعلام المرئي والمسموع خطوة تقدّمية نحو هامش أكبر لحرية التعبير. فقد ألغت القوانين الجديدة الرقابة المسبقة على الصحف المحلية أو المطبوعات أو البرامج التلفزيونية الحية. كما أصبح من غير الممكن إغلاق الصحف والقنوات التلفزيونية إلا بأمر من المحكمة، وتم إلغاء أحكام السجن للصحفيين والمحررين إلا لأسباب التجديف والتشهير بالأمير. ولكن مع هذه التغييرات، تم رفع الغرامات المفروضة إلى 3،000 و 10،000 دينار كويتي. كما تمت إضافة المزيد من المواضيع المحظورة إلى قسم العقوبات بما في ذلك مصطلحات عامة يمكن تفسيرها بطرق عديدة، على سبيل المثال “خدش الآداب العامة، أو معارضة الوحدة الوطنية أو النظام الاجتماعي أو السياسي”.

في غضون عامين، تمّ ترخيص 9 صحف و12 قناة تلفزيونية. لقد حولّت هذه التعديلات في القوانين وجهة نظر المجتمع نحو ما يمكن أو لا يمكن أن يقال على شاشة التلفزيون أو ينشر في الصحف. وأخذت القضايا القانونية المتعلقة بانتهاكات القوانين الجديدة في الارتفاع.

Embed from Getty Images

أمّا الكتب المطبوعة فتمّ النظر اليها بشكل مختلف. في عام 2005، عندما كان مشروع قانون المطبوعات والنشر لا يزال قيد المناقشة في البرلمان، كانت الكتب المطبوعة المستوردة تشكل تهديدا للنسيج الاجتماعي للمجتمع الكويتي. وبعد 12 اجتماعا بين النواب والممثلين المحليين في لجنة البرلمان، تم الاتفاق على أن يتم فحص الكتب المستوردة من قبل مجلس الرقابة على المطبوعات التابع لوزارة الإعلام. ذلك أدّى إلى ترك الكتب المطبوعة محليا في الكويت بلا أيّ رقابة مسبقة؛ حيث لا تطبق العقوبات إلا بعد النشر إذا أحيلت القضية إلى المحكمة، وينطبق الشيء نفسه على المطبوعات والصحف.

إن التقييدات المختلفة لما يمكن قوله أو نشره في الصحافة والكتب والتلفزيون تتعارض مع الغاية من “حرية التعبير والرأي” التي يمنحها الدستور الكويتي في مادتيه 35 و36، والمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 26 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان. على سبيل المثال، تم منع تصوير المسلسل التلفزيوني المستوحى من رواية كويتية (ساق البامبو) تذكر البدون (عديمي الجنسية) خلال صفحاتها بينما سمح بنشر الكتاب المطبوع. فأدى ذلك إلى قيام فريق الإنتاج بتصوير المسلسل في دبي بدلا من ذلك، وحتى عند عرض المسلسل على قناة تلفزيونية محلية خاصة، تم فرض الرقابة عليه بسبب بعض المشاهد المتعلقة باستجواب الدين والبدون. إن وسائل الإعلام المختلفة تخضع لمعايير رقابة مختلفة، حيث أشار الخبير الدستوري الدكتور محمد الفيلي في مقابلة إلى أن الرقابة على الكتب ليست كما على الصحف بالرغم من أنّ كليهما يتناولان موضوعات متماثلة ويخضعان لنفس القانون. وكمثال آخر، تم اتهام البروفيسور شيخة الجاسم بتهمة ازدراء الأديان في مقابلة بثتها قناة “الشاهد”، الا أن التهم تم إسقاطها بعد ثلاثة أشهر. وذكر المدعي العام أنه لا يمكن اعتبار جميع المناقشات المتعلقة بالدين كنوع من ازدراء الأديان،  وأنه يجب حماية حرية التعبير.

في عام 2015، أقرّ البرلمان قانوناً جديداً للجرائم الالكترونية يتضمن قسماً خاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وفرض عقوبات وحكم بالسجن على أي انتهاك للمواد المحظورة في وسائل التواصل الاجتماعي. ثم تلا ذلك تعديل للمادة الثانية من قانون الصحافة والنشر لإضافة الإعلام الرقمي (المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي) لتعريف “الإعلام المطبوع”، وبالتالي تضمينه في عقوبات ما بعد النشر. لقد أثر ذلك على مكانة الكويت إقليميا وعالميا. حيث تحتل الكويت المرتبة 103 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمية لعام 2016 (تراجعت بنسبة 13٪ عن العام الماضي في المرتبة 90 من 179).

إن الرقابة المفروضة والخلط بين الأنظمة المختلفة لما يتسنّى قوله على شاشة التلفزيون أو نشره في كتاب أو مقال أو مشاركته على وسائل التواصل الاجتماعي أو المدونات أوجد ثقافة رقابية وأضعف من حرية التعبير والرأي في الكويت. لقد اتخذت الدول المجاورة في السنوات الأخيرة خطوات لإلغاء الرقابة المفروضة مسبقا على المعارض الكتابية السنوية بينما نرى الرقابة على معرض الكتاب السنوي المحلي في الكويت آخذة في الازدياد.

في عصر الإعلام الرقمي، يتوجّب مراجعة تشريعات الرقابة. ما حدث قبل عشر سنوات مع الصحافة (إلغاء الرقابة المسبقة) يجب أن يشمل وسائل الإعلام الأخرى. إنّ زيادة وعي العامّة هي خطوة أولى حاسمة لضمان عدم اعتبار الآراء المختلفة تهديدا للوحدة الوطنية أو النسيج الاجتماعي لهذا البلد. كما أن الضغط على النواب وممثلي الحكومة لمراجعة التشريعات سيكون خطوة نحو التغلّب على هذه المشكلة. الثقافة الرقابية هي في طبيعتها ردة فعل وليست استباقية لذلك يجب علينا التخلي عن آمالنا بأنّ جهودها تخدم المجتمع نحو الأفضل.

 


* عبد الله الخنيني: ناشط مدني وأحد مؤسسي راقب50 وكذلك م3، يعمل كباحث مساعد في مؤسسة الراي مع التركيز على المجتمع المدني والمواطنة النشطة في الكويت.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org