رؤى

الخلية

جيفري مارتن

مُساهم في رؤى الراي

الكويت: 19 ألف كيلوغرام من الرصاصات، 144 كيلوغرام من المتفجرات، 86 سلاحًا ناريًا و204 قنبلة. هذه ترسانة الأسلحة التي عُثِر عليها في مزرعة بالكويت، إضافةً إلى موقعين آخرين في أواخر صيف 2015. اعتقلت السلطات مُلاك العقارات، وواجه ستة وعشرون كويتيًا وإيرانيٌ واحدٌ اتهامات بالتآمر لزعزعة استقرار الكويت، وشراء الأسلحة والمتفجرات ونقلها وحيازتها. واتهمت السلطات بعضهم بتلقي تدريبات من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله. وهكذا بدأت قصة ما عُرف باسم خلية “العبدلي”، وأكبر ترسانة أسلحة تصادرها السلطات الكويتية على أرضها.

في البداية، لم تُحدد الحكومة الجهة التي تنتمي إليها “الخلية الإرهابية”، وخيَّم ضباب “الأمن الوطني” على القضية كالمعتاد في مثل هذه القضايا، لكن خرج عدد من التسريبات في أثناء سير القضية. نقلت صحيفتا الأنباء والسياسة في بداية القضية عن مصادر حكومية ما يُفيد ارتباط الخلية بحزب الله وإيران. والمشتبه فيه الرئيسي بالقضية هو الدبلوماسي الإيراني عبد الرضا حيدر دهقاني؛ كان عبد الرضا يعمل بالسفارة الإيرانية في الكويت وقت العثور على ترسانة الأسلحة، وهرب مع عدد من المشتبه فيهم (باستخدام زورق سريع اتجه إلى إيران على ما يبدو). أُلقيَ القبض على بعضهم، وهربوا مرة أخرى، ثمَّ أُلقي القبض عليهم لاحقًا. وفي أغسطس من عام 2017، اعتقلت السلطات 12 متهمًا.

طردت الكويت 15 دبلوماسيًا إيرانيًا بسبب أزمة خلية العبدلي، وصعَّدت البرامج الإخبارية خطابها المُناهض لإيران، ولم تُساعد الأزمة القطرية المرتبطة ارتباطًا ملموسًا بالقضية في تحسين العلاقات بين البلدين. ودعمت دول الخليج ومن ضمنها قطر التحركات الكويتية.

أنكرت إيران تورطها في القضية، إلا أنني لا أظن أن أي دولة في العالم قد تعرف بمثل هذا التدخل في شؤون دولة أخرى. وأصدرت السفارة الإيرانية بيانًا نادرًا تُعبر فيه عن “استيائها البالغ من الزّج باسم إيران” في القضية. وأدَّت المذكرة الاحتجاجية التي قدمتها الكويت إلى الحكومة اللبنانية بشأن تورط حركة حزب الله إلى ظهورٍ تليفزيوني نادر لزعيم حزب الله – حسن نصر الله يُنكر فيه تنفيذ الجماعة المسلحة والحزب السياسي اللبناني أي عمليات في الكويت، وصرَّح بأن حزب الله “لم تكوِّن أي خلايا في الكويت، وليس لديها أي خلايا أو أعضاء فيها”، وشدَّد على أن لبنان تحرص بشدة على التمتع بأفضل علاقة مع الكويت. لدى لبنان الكثير لتخسره إن قررت الكويت ودول الخليج الأخرى مقاطعتها، لأن دول الخليج سوقٌ مهم للبضائع ومصدرٌ مهم لعوائد السياحة.

لكن من المهم (في رأيي) أن نضع هذه المواقف في سياقها. هي ليست المرة الأولى (ولن تكون الأخيرة) التي تسوء فيها العلاقات الدبلوماسية بين الكويت وإيران، إذ أن السفارة الإيرانية في الدعية ظلَّت مغلقة خلف أسوارها العالية في المنطقة الدبلوماسية مُعظم الوقت في الأعوام الثمانية والأربعين الماضية.

في ثمانينيات القرن الماضي واجهت الكويت عشرات التهديدات الأمنية، من ضمنها تفجيرات السفارتين الفرنسية والأميركية، ومطار الكويت، واختطاف إحدى طائرات الخطوط الجوية الكويتية، ومُحاولة اغتيال الأمير السابق جابر الأحمد الصباح. تجمَّدت العلاقات بين إيران والكويت حينها، ثمَّ تقاربت بعد عام 1991، حين دعمت إيران الكويت في مواجهة غزو العراق. غيَّر الموقف الإيراني العداوة السابقة بين البلدين تغييرًا هائلًا، والجماعات الشيعية التي كانت تُعتبر تهديدًا للأمن الوطني الكويتي سُمح لها بدخول الساحة السياسية والمجتمعية، ما قلل التوترات الداخلية وجعل المجتمع الكويتي أكثر المجتمعات الخليجية توازنًا فيما يتعلق بالوحدة الطائفية.

لم تبدأ العلاقات في التراجع مرة أخرى إلا بعد عام  2010؛ ألقت السلطات القبض على خلية تجسسية أخرى، واعتقلت سبعة أشخاص (منهم مواطنان إيرانيان) بتهمة التجسس، وبعدها بوقتٍ قصير طردت الكويت عددًا من الدبلوماسيين الإيرانيّين.

تستمر محاولات إصلاح العلاقات الكويتية الإيرانية في الوقت الراهن. زار الأمير الشيخ صباح الأحمد طهران في يونيو 2014، في زيارة خارجية نادرة. وفي فبراير من العام التالي، زار الرئيس الإيراني حسن روحاني الكويت. لكن الأوضاع تظل متوترة، وكانت هناك تراجعات عديدة مثل الهجمات التي تعرضت لها البعثات الدبلوماسية السعودية في طهران ومشهد في يناير 2016. وسيستمر هذا الوضع في المستقبل القريب ما لم تصل دول الخليج الفارسية والعربية إلى سلامٍ شاملٍ ودائم.

Embed from Getty Images

إذن، هل صعَّدت قضية العبدلي من حدة التوترات الطائفية؟ أقول نعم، كما فعلت قضايا أخرى. يقول عبد الله بشارة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية سابقًا: “أن السياسات الإيرانية وسياسات حزب الله لعبت دورًا في تأجيج الخلافات في الكويت… وقضية العبدلي وضَّحت هذه الخلافات أكثر وأكثر”. بالنسبة للجمهور الداخلي تؤجّج هذه القضية النزاعات السابقة طويلة الأمد بين الطرفين.

لكن أقارب “الإرهابيّين” المُحتجزين يزعمون أنَّهم ضحايا مُغرَّرٌ بهم. زعم البعض أن الأسلحة كان غرضها الدفاع عن النفس، وأنَّ الأسلحة هي من بقايا حركة المقاومة المحلية التي تشكلت في فترة الاحتلال عام 1990. لكن الشيخ ثامر الصباح رئيس جهاز الأمن الوطني أشار إلى أن حجم ترسانة الأسلحة أكبر بكثير من مقتضيات الدفاع عن النفس.

إن نظرنا إلى الأزمة من زاوية أخرى، ربما ننزع بعض الحدة الطائفية عن قضية العبدلي. منذ عام 1990، واجهت الكويت مشاكل حادة فيما يتعلق بالأسلحة النارية. تركت القوات العراقية الفارة خلفها الكثير من الأسلحة في البلاد، وحتى وقتٍ قريبٍ نسبيًا امتلك أهل الكويت بنادق آلية ومعدات أخرى من بقايا الاحتلال، وخبّؤوها في عليات المنازل وأماكن أخرى. يُقدَّر عدد الأسلحة النارية في الكويت بـ 630 ألف سلاحٍ ناري مرخص وغير مرخص، ما يضعها في المرتبة الثامنة عشرة عالميًا من حيث عدد الأسلحة النارية للفرد الواحد.

ازدادات قوانين الأسلحة النارية في الكويت صرامةً على مر الأعوام من أجل مواجهة انتشار الأسلحة والذخائر غير المرخصة، والحد من الآثار الباقية لحرب الخليج. يَنص قانون مثير للجدل صدر في 2015 على السماح بتفتيش منازل المواطنين بحثًا عن الأسلحة النارية غير المخصصة في حالة وجود شكٍ معقول في وجودها. ومنحت السلطات المواطنين مدة سماحٍ امتدت أربعة أشهر يُمكنهم فيها تسليم الأسلحة (تسلمت الحكومة 3,250 سلاحًا ناريًا وثمانية أطنان من الذخائر)، هذه كمية مهولة. ففي المدة من 2010 إلى 2012، صادرت الحكومة 41 سلاحًا ناريًا فقط، وفي عام 2013 كان العدد 84 سلاحًا ناريًا. ومع أن الجرائم المُرتكبة بواسطة بالأسلحة النارية نادرة في الكويت (باستثناءاتٍ عارضة)، فإن المخاوف الكُبرى لطالما كانت متعلقة بالإرهاب أو القتل الخطأ (خاصة في الأعراس).

في حين لعبت ديناميكية طائفية دورها في هذه الاعتقالات، هُناك أيضًا مكونٌ واضح من فرض النظام والقانون في هذه القضية، لا علاقة به بالانتماءات الدينية والأيديولوجية مؤخرًا، صادرت الحكومة أسلحة نارية ومتفجرات من مسلحين سُنيّين يخططون لشن هجمات على أرض الكويت، واتسم التضييق على الأسلحة النارية في مناطق سيطرة القبائل أو الجماعات الأيديولوجية الأخرى بصرامةٍ مماثلة في الأعوام القليلة الماضية. في العموم، فرضت الحكومة الكويتية إجراءاتها على كل الجماعات والأفراد ممن يمتلكون الأسلحة النارية وغيرها، ويرجع إلى ذلك الفضل في انخفاض أعمال العنف في الكويت انخفاضًا كبيرًا، وهو أمرٌ نادر في منطقة تُرتكب فيها أعمال العنف كل ساعة باسم الإله أو المعتقدات الأخرى التي لا تعرف العدل ولا تخلق سوى الكراهية والمزيد من العنف. في نهاية المطاف، هذه الأسلحة لم تعُد موجودة، وهذا هو أفضل مكانٍ لها.

 


*جيفري مارتن، طالب دكتوراة في قسم العلوم السياسية بجامعة تورنتو في كندا. يدرس السياسة الكويتية، مع التركيز على التطور التاريخي للقوة الاجتماعية والسياسية في الجمعيات التعاونية منذ أربعينيات القرن الماضي. يعمل جيفري أيضًا كاتبًا مستقلًا لدى مجلة زينيت الألمانية، ومستشارًا بمركز تحليلات دول الخليج البحثي في العاصمة الأمريكية واشنطن.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org