رؤى

القاهرة الجديدة … فشل آخر

paul gadalla

بول جادالله

مساهم في رؤى الراي

بيروت: ستنضم العاصمة المصرية الجديدة إلى قائمة محاولات التطوير الحضري الفاشلة. فهي مجرّد مخطط آخر من المخططات الكبرى للرئيس عبد الفتاح السيسي التي يحاول فيها إظهار نظامه يدفع باقتصاد البلد والأمة الى الأمام.

وحتى قبل إنجازها، اصطدمت المدينة التي لطالما روّج لها السيسي بـ “العاصمة الجديدة” بالعوائق. فنقلاً عن رويترز، تداعى استثمار لشركة صينية بقيمة 3 مليارات دولار هذا العام، كما أنّ المستثمر الرئيسي في المشروع، وهي شركة إماراتية، قد انسحبت أيضاً من المشروع المقترح للعاصمة الجديدة البرّاقة. يبدو حالياً أنّ الشركات المصرية سوف تحاول ملء الفراغ الحاصل.

هذه ليست أول وعلى الأرجح ليست آخر مشاريع السيسي العظيمة، التي يتمّ تسويقها كحل للبنية التحتية المتدهورة في مصر ولخلق فرص عمل جديدة. تهدف هذه المشاريع في الواقع إلى تعزيز الروح المعنوية للشعب وتحسين صورة النظام.

يتجاوز مخطط العاصمة المقررة الجديدة المعقول. فبتكلفة قدرها أكثر من 40 مليار دولار، ستمتد المدينة على مساحة 700 كيلومتر مربع، وستشمل حديقة بضعف حجم “سنترال بارك” والآلاف من المدارس ومطار جديد بحجم مطار “هيثرو” ومدينة ألعاب بأربعة أضعاف حجم عالم ديزني. وسيتم كذلك نقل الوزارات الحكومية إلى العاصمة الجديدة. وفوق كلّ ذلك، قالت الحكومة انه سيتم إنجاز كلّ ذلك خلال 5-7 سنوات! في الواقع، بالنظر الى بناء مدينة بهذا الحجم سوف يكون من الصعب تصديق أنّ هذه الخطة ستؤتي ثمارها مع معرفة مدى كفاءة الحكومة المصرية.

هذا يشبه إلى حد كبير إعلان جمال عبد الناصر عن السد العالي الشهير في أسوان. إذ كان من المفترض أن يكون السدّ إنجازه التتويجي، لتوفير الكهرباء الرخيصة لآلاف المصريين وإنهاء سنوات من الفيضانات وحالات الجفاف المحتملة. بدلاً من ذلك، لا تزال مصر حالياً تعاني من مشاكل الكهرباء ولا يزال السد العالي يترك إرثاً مختلطا.

Embed from Getty Images

هذا ليس أول مشروع ضخم للسيسي. ففي العام الأول من تنصيبه رئيساً للجمهورية أعلن عن قناة سويس جديدة بالكامل. إنّ قناة السويس الأصلية تعتبر إنجازاً هندسياً تاريخيا، لذلك كان إعلان بناء قناة سويس جديدة أفضل وسيلة لتعزيز نظام السيسي وتحسين صورته. وكانت الحكومة المصرية قد توقعت للمشروع الذي تبلغ قيمته 8 مليارات دولار أن يحقق إيرادات سنوية تزيد عن 13 مليار دولار. إلا أنّه لم يحقق سوى عائدات بحوالي 5 مليارات دولار. حتى عندما تم افتتاح القناة، تم تصوير السيسي يلوّح لحشود غير موجودة، وهذا بعيد كل البعد عن افتتاح القناة الأصلية الذي تمّ بحضور زعماء من حول العالم.

ومثال آخر أكثر صلة بالموضوع، يظهر كيف تتكرر الأزمان. جمال عبد الناصر حلم أيضاً بإنشاء عاصمة جديدة متألقة “جديرة” باسم (مدينة ناصر). تشمل شوارع منظمة ومبان جديدة. لبعض الوقت، كانت تعتبر قطاعاً متطوّراً من مدينة القاهرة، ولكن بفضل ضعف التخطيط استسلمت لمشاكل القاهرة المزمنة المتمثلة بالاكتظاظ والازدحام المروري.

عادة ما تكون المدن والضواحي الجديدة في مصر مخصصة للأثرياء. إذ فشلت المدن الصحراوية مثل مدينة 6 أكتوبر والقاهرة الجديدة في سحب الجماهير من القاهرة. وبدلاً من ذلك أصبحت الوجهة المفضلة للطبقات العليا في مصر.

من المرجّح أن تتبع عاصمة السيسي الجديدة نفس المسار. لقد لوحظ بالفعل افتقارها الى المساحات العامة، وتلك طريقة رائعة لنظام السيسي للحكم من عاصمة لا تفسح المجال للاحتجاجات. تتمّ عملية بناء المدينة حالياً بالسرعة القصوى، لكن المواطنين ما زالوا متشككين من خطة بهذا الحجم وما تعنيه بالنسبة إليهم. سوف يتعيّن على الناس الآن التنقل مسافة 45 كيلومترا في الصحراء للوصول إلى الوزارات الحكومية، شيء ليس بالسهل لمعظم القاهريين.

إذا أراد السيسي حقاً خلق المزيد من فرص العمل وتحسين الحياة اليومية للمصريين، كان من الأولى أن يعمل على تحسين القاهرة وبنيتها التحتية. فنظام المترو فيها تمّ إنجاز نصفه فقط وتعاني المدينة معاناة هائلة من تلوث الهواء وازدحام المرور. ولا تزال عملية نقل القمامة تتم عبر شبكات غير رسمية. أيضا المدن الإقليمية الأخرى تستحق الاستثمار فيها مما سيساعد في تخفيف الازدحام في القاهرة. لا يوجد أيّ ضمانات حقيقية أنّ القاهريين سوف ينتقلون الى المدينة الجديدة، خاصة وأنّه من المرجّح أن تكون تكلفة السكن الجديد مرتفعة للغاية بالنسبة لمعظم المصريين العاديين. ناهيك عن أنها سوف تحتاج لسنوات ليكون لها البنية التحتية المناسبة لتسحب أعداداً كبيرة بعيداً عن القاهرة. كما يظهر في مثال مدينة ناصر، إنّ مجرّد بناء منطقة جديدة كلياً لن يحلّ أيّ مشكلة سوى العمل كعامل الهاء آخر عن فشل الحكومة المستمر.


**بول جاد الله، أخصائي اتصالات من مدينة نيويورك، ومحلل سياسي واعد في بيروت.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org