رؤى

بإسْم القبيلة

بقلم جيفري مارتن

 

مساهِم في رؤى الراي

 

الكويت: حين أقرأ عن القَبَلية والسياسة في الكويت، كثيرًا ما أرى بعض الافتراضات والقوالب النمطية التي لا أحبها على الإطلاق. فإذا كنت تنتمي لقبائل عدوان، أو العجمان، أو العوازم، أو عنزة، أو شمر، أو الرشايدة، أو الظفير، أو عتيبة، قد تصير إنسانًا آليًا، تحت أمر شيخك ورهن إشارته. وستُنحِّي قيمك وأخلاقك، وحتى دينك في بعض الأحيان لمصلحة القبيلة، ولمصلحة الدولة.  لطالما استُخدمت هذه الفرضية مرارًا وتكرارًا لشرح «المشكلة» في بلدانٍ بها ثقافات قبلية (مثل الكويت)، تفسيرًا لغياب التنمية الاجتماعية أو الاقتصادية، أو قضايا الفساد.

 

بادئ ذي بدء، استخدمت القوى الاستعمارية الإمبريالية هذه الانحيازات سابقًا، لا سيما أصدقائنا البريطانيين، في تبرير عدوانهم على مجموعةٍ متنوعة من الأراضي في شتى أنحاء العالم. وفي عصر ما بعد الاستعمار، ظلت هذه التعميمات باقيةً في بعض المجتمعات ذات السياسات القبلية، وهو ما يُلغي الطبيعة السياقية والسلسة للسياسة والحياة الاجتماعية. ولعل أبرز مثالٍ على استمرار هذا الانحياز ووجوده القوي هو اللهجة المتقلبة المعادية للقبلية التي يستخدمها النائب البرلماني السابق محمد الجويهل.

 

لطالما كانت هناك جماعاتٌ قبلية تحظى بدرجةٍ واسعة من القوة الاجتماعية في الكويت، وذلك لاتِّسام الكويت بثقافةٍ قبلية بشكل عام. إذ ينحدر جميع المواطنين في الكويت تقريبًا، سواءٌ في المدينة أو المناطق الخارجية، كما تسمى، من خلفيةٍ بدوية. ومن الناحية التاريخية، ترتبط الكثير من السردية المعادية للقبائل بكيفية تسببها في إضعاف طبقة التجار أو القوة الحضرية (وهو ما يُشبه إلى حدٍ كبير الاتهام الموجه إلى القناعات من قبلها). صحيحٌ أنَّ هناك نحو 200 ألف شخص  من أفراد القبائل صاروا مواطنين كويتيين في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي،  لكن، على غرار جماعاتٍ أخرى في الكويت، لطالما كان هناك تحالف تاريخي قوي بين الأسرة الحاكمة والقبائل البدوية الآتية من منطقة نجد. وكانت هذه القبائل، سواءٌ أكان أفرادها مواطنين أم لا آنذاك، قد ساعدت الكويت في مناسبات متكررة، لا سيما في موقعة الجهراء عام 1920.  وفي عام 1990، كان معظم الذين قاتلوا وماتوا في الجهراء من أبناء القبائل، في محاولةٍ بطولية لعرقلة التقدم العراقي، ما أتاح الوقت أمام العديد من الكويتيين الآخرين للهرب.

 

في الوقت نفسه، كان الخطاب المعادي للقبلية سائدًا في التعليق على الانتخابات البرلمانية على وجه التحديد، إذ تُشكِّل السياسة القبلية نسبةً كبيرةً من العملية الانتخابية والتكوين الإجمالي لمجلس الأمة. واعتُبِرَت الكثير من الأزمات التي نشبت في الأعوام العشرين الأخيرة صراعًا بين قوى حضرية وريفية –إن صح التعبير- في ظل اكتساب جماعات قبلية مكانةً أفضل. وكما قالت ابتهال الأحمد، الأستاذة في جامعة الكويت، في إحدى المرات: لم تعد القبائل وضعًا اجتماعيًا، بل صارت وضعًا سياسيًا. وتقدمت «القبائل» من ثمانينيات القرن الماضي فصاعدًا لتحتل عددًا كبيرًا من مقاعد مجلس الأمة (نحو 40% منذ عام 2006).

 

لم ينتشر خطابٌ معادٍ للقبلية أكثر من خطاب حملات إعادة تنظيم الدوائر الانتخابية. كان أحد الأسباب الرئيسية لإعادة تنظيم الدوائر الانتخابية هو «الحد من شراء الأصوات والتلاعب في الانتخابات» بسبب «الانتخابات الفرعية القبلية»، (تُقام قبل الانتخابات الرسمية لتحديد المُرشَّح القَبلي، وبدأتها قبيلة العجمان في عام 1975). وبسبب الطبيعة الكبيرة والمُركزة لقبائل معينة في بعض المناطق، مثل قبيلة العوازم في منطقة السالمية، وقبيلة الرشايدة في محافظة الفروانية، تكتسح هذه القبائل الانتخابات هناك.

 

ورغم حظر الانتخابات الفرعية منذ عام 1998، استمر إجراؤها مرارًا وتكرارًا منذ ذلك الحين. ويتمثل العيب الرئيسي لقانون حظر الانتخابات الفرعية في أنَّه لا يُبيِّن بوضوحٍ ما إذا كانت الانتخابات الفرعية تقوم على الطائفية أم القبلية، وهو ما يُصعِّب تجريمها. وأسفر نجاح الانتخابات القبلية بالفعل عن تنظيم قوى سياسية أخرى انتخابات داخلية مشابهة. إذ فعل ذلك المنبر الديمقراطي عام 2000 بعد وفاة النائب البرلماني سامي المنيس، وكذلك نظَّم الإسلاميون انتخابات داخلية.

 

وترى العديد من الفصائل السياسية في الدوائر الانتخابية الأولى والثانية والثالثة أنَّ القبائل وانتخاباتها الفرعية تُعطي الأولوية لهوية قبلية محدودة على حساب القومية الكويتية. ولست متأكدًا من أنَّ هذه تهمةٌ عادلة في ظل رؤية جميع التجمعات والطبقات الاجتماعية في الكويت تصوت عمومًا على أساس الروابط الأسرية. ولطالما كانت القبائل تتنافس في الانتخابات الكويتية، وكانت تتصرف، كبعض الحركات السياسية الأخرى، بطريقة مختلفة اختلافًا جوهريًا في أوقاتٍ مختلفة وفقًا لمصالحها. فأولًا وقبل كل شيء، هؤلاء مواطنون كويتيون لم يدمِّروا المجتمع أو الدولة كما حذَّرت العديد من الفصائل الحضرية. ويقول كامل صالح، في دراسةٍ أجراها على الانتخابات الفرعية القبلية في الفترة ما بين عامي 1975 و2008، إنَّ الفصائل القبلية أكثر من مجرد كتلة أحادية البُعد؛ إذ إنَّها تحمل طابعًا حضريًا، وتتحدث باسم كتلٍ انتخابية، وتعطي الأولوية لاحتياجاتٍ سياسية على حساب احتياجات قبلية.

 

 

 

 

ولا تخلو الانتخابات الفرعية من المنافسة بأي حالٍ من الأحوال. وكانت بعض الانقساماتٌ بين مجموعات مختلفة داخل القبائل، والتي تفاقمت بسبب انقسامٍ صارخٍ بين الجيل الأصغر سنًا من الرجال والجيل الأكبر منه (ولا سيما في قبيلة مطير في السنوات الأخيرة)، قد أسفرت عن منافسة شديدة. في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أُجريت في نوفمبر 2016، حصلت قبائل صُغرى، مثل عنزة وشمر، على مزيدٍ من المقاعد، بينما انخفض عدد المقاعد التي فازت بها قبائل كُبرى، مثل العجمان ومطير والعوازم، ويرجع ذلك إلى نشوب خلافاتٍ في الانتخابات الفرعية.

 

وحين أجلس في إحدى الديوانيات الموجودة ما بعد طريق الدائري الثاني، كثيرًا ما أسمع عن الطبيعة المتجانسة للائتلاف القبلي، أو التعصُّب الديني عند أعضاء القبائل. ولكن أودُّ القول إنَّ السبب الرئيسي وراء صعود نجم القبائل يكمن ببساطةٍ في أنَّ مُرشَّحيها أفضل تنظيمًا وأكثر اتصالًا بآراء مجتمعاتهم. صعد نجم العديد من المرشحين الأصغر سنًا عبر مراتب منظماتٍ اجتماعية مختلفة، أو مجالس بلدية، أو جمعيات تعاونية، وخاضوا في البداية تجربة ممارسة أنشطة سياسية بسيطة لفترة طويلة قبل السعي إلى الفوز في صناديق الاقتراع. في حين يأتي معظم المرشحين الحضريين من مجتمع الأعمال، أو المؤسسة النخبوية، وذلك بعيد كل البعد عن مجموعة المهارات الشعبوية اللازمة للفوز بالأصوات في العصر الحالي. إذًا من غير المفاجئ أنَّ الحركات التي ظهرت في عام 2011، مثل حدم (الحركة الديمقراطية المدنية) وتجمع نهج (ائتلاف إسلامي) أو حشد (كتلة العمل الشعبي)، والتي كانت تتكون إلى حدٍ كبير بشبابٍ من خلفيات قبلية.

 

ولكن هناك عاملًا أهم وراء التغيُّرات و«صعود» القبائل، وهو عاملٌ مادي مرتبط بقضايا طبقية، لا بالهوية. إذ يريد الناس في هذه المناطق النائية مزيدًا من المستشفيات، والمدارس، والمساكن، والبنية التحتية. ويرغبون في الحصول على رواتب أعلى، وفرصة العمل في القطاع الخاص، وغير ذلك من الأشياء التي يحظى بها معظم الكويتيين الحضريين. وهي احتياجاتٌ ورغبات معقولة، وليست مدفوعةً بالاهتماماتٍ القبلية وحدها. وفي فترة زمنية سابقة، ثارت العديد من الفصائل الحضرية لأجل هذه المطالب نفسها. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، شهد مجتمعٌ خاضعٌ لسيطرة التجار التحوُّلات الصعبة نفسها حين بُنيت الدولة الحديثة. وحينها، كما هو الحال الآن، لم يُضعف ذلك المجتمع، بل أعاد تنظيمه فقط، وتحوَّلت إعادة توزيع الثروة، التي بدت صاعقةً للغاية آنذاك، إلى الجماعات الاجتماعية والسياسية الشرعية والمؤسسية.

 

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، أدى ارتفاع مستويات التعليم وتزايد عدد الشباب إلى اندماج حتمي لأبناء القبائل في الحياة الحضرية، وقد حان دورهم ليصبحوا أكثر تحضُّرًا واندماجًا في المجتمع الكويتي. وهذا جزءٌ لا مفر منه من عملية التحديث، وبسبب ثقافة الكويت الديمقراطية، التي تتسم بالفوضوية والصدامية، ستظل هذه القضايا إلى حدٍ كبير في صدارة قضايا الرأي العام كما ينبغي. تقف الكويت عند مفترق طرق في تحديد مستقبلها، ولا ينبغي تهميش أي جماعةٍ رئيسية في هذه العملية. والكويت مدفوعة بأحداثٍ داخلية وخارجية إلى تحسين اقتصادها، بينما تحاول في الوقت نفسه التوفيق بين هذه التغيُّرات القادمة وتقاليدها المُحافظة بدرجةٍ كبيرة. أمَّا القبائل، التي تُشكِّل نحو 60% من عدد سكان الكويت، فهي تلعب دورًا واضحًا وقويًا على نحوٍ متزايد في هذا المستقبل كما ينبغي.

 

 


**جيفري مارتن، طالب دكتوراة في قسم العلوم السياسية بجامعة تورنتو في كندا. يدرس السياسة الكويتية، مع التركيز على التطور التاريخي للقوة الاجتماعية والسياسية في الجمعيات التعاونية منذ أربعينيات القرن الماضي. يعمل جيفري أيضًا كاتبًا مستقلًا لدى مجلة زينيت الألمانية، ومستشارًا بمركز تحليلات دول الخليج البحثي في العاصمة الأمريكية واشنطن.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org