رؤى

حتى التوجه الجنسي ليس آمن من النظام المصري

paul gadalla

بول جادالله

مساهم في رؤى الراي

لا يزال النظام المصري يشترك في كل جانب من جوانب حياة المواطنين العاديين. إن الحملة الأخيرة على مجتمع المثليين في مصر هي مثال تام على كيفية محاولة نظام السيسي، شأنه في ذلك شأن الأنظمة الأخرى التي سبقته، السيطرة على جميع جوانب حياة المواطنين المصريين، حتى التوجه الجنسي ونوع الجنس، من أجل السيطرة على الناس وتقييدهم.

لقد تم القبض على سبعة اشخاص على الفور لرفعهم اعلام قوس قزح أثناء حفل في القاهرة، في سبتمبر من هذا العام. كانت من الفرق التي شاركت امام جمهور يصل الى 35،000 متفرج، الفرقة الشعبية اللبنانية المشهورة، مشروع ليلى، التي أعلن مغنيها الرئيسي سابقا وبكل صراحة أنّه مثلي الجنس ويعتبر نصيراً لحقوق المثليين في العالم العربي. ويقدّر عدد من منظمات حقوق الإنسان أن العشرات قد اتهموا بتهمة “الفجور“، وهو مصطلح مقنّع يهدف إلى اضطهاد أعضاء مجتمع المثليات والمثليين ومزدوجي الميول الجنسية والمتحولين جنسيا في مصر. هؤلاء السجناء هم الآن جزء مما يقدر بحوالي 60،000 سجين منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في انقلاب عسكري في صيف عام 2013.

لقد سعى نظام السيسي إلى التدّخل في كل جوانب الحياة المصرية تقريبا من الناحية السياسية إلى الدينية ومن الحياة العامة الى الخاصة. فقد أبقى على حزب النور السلفي في السلطة (في حين حظر جماعة الإخوان المسلمين) بينما حاول دعم الجماعات الإسلامية الأكثر تحرراً مثل الصوفية. وظهر في قدّاس عيد الميلاد في القاهرة ليتودد لأكبر أقلية دينية في البلاد، الأقباط. في السنة الأولى للسيسي في السلطة، قام بشد الوثاق على مجتمع المثليين على أمل الحصول على مباركة السكان المحافظين في مصر. حتى أن غارة على حمام عمومي قد تم بثها تلفزيوناً حيث اعتقل فيها 26 شخصا. بينما غرّرت أجهزة المخابرات المصرية بأعضاء من مجتمع المثليين في مصر واعتقلتهم، وذلك باستخدام تطبيقات مشهورة لمثليي الجنس مثل “جريندر”. لقد كان يظهر أن الشرطة أيضا يمكن أن تدافع عن أخلاق الشعب، وليس فقط جماعة الإخوان المسلمين.

ولكن هذا النوع من النفاق كان موجوداً منذ فترة طويلة في مصر. فمنذ عهد عبد الناصر، تطلعت الحكومة إلى اختيار الدين كوسيلة للسيطرة على الناس وتصوير نفسها كمدافع عن الآداب العامة. لقد أمّم ناصر الأزهر، أقدم جامعة في الإسلام، كوسيلة للسيطرة على الدين الذي يمارسه معظم المصريين. واصل أنور السادات هذا الإرث، بل وتودد الى جماعة الإخوان المسلمين في محاولة لمواجهة القومية العربية العلمانية التي اوجدها عبد الناصر. وعندما رفض البطريرك القبطي تقديم الدعم السياسي لخطة السادات للسلام مع إسرائيل برفضه لزيارة القدس معه، أمر السادات بنفي البطريرك من القاهرة وحجزه في دير صحراوي.

كذلك مبارك لم يكن أفضل مما سبقوه. وفي ظل حكمه، حدثت إحدى أكبر الهجمات على مجتمع المثليين في مصر عندما تمّ اعتقال أكثر من 50 رجلا في عام 2001 بتهمة “الفجور”. كما حاول أيضاً توحيد الأذان وواصل وضع القيود على بناء الكنائس حيث يضطر البطريرك القبطي إلى الحصول على إذن رئاسي لبناء أو إصلاح كنيسة.

Embed from Getty Images

وقد انضمت المؤسسات الدينية والقنوات الإعلامية في الدولة إلى حملة مناهضة للمثليين في مصر. وقاطعت قنوات الإعلام الحكومية “مشروع ليلى” وتم حظر الفرقة في البلاد. وقد ادعت وسائل الإعلام الرسمية في مصر أن الفرقة تمكنت من “تحويل المواطنين المصريين الى مثليي الجنس من خلال موسيقاها. وسرعان ما دعا رجال الدين المسلمون إلى وضع حد لهذا العرض العلني لما يسمى بالفجور، ونظمت الكنيسة القبطية على وجه السرعة مؤتمرا ضد “بركان المثلية الجنسية” في مصر

كل هذه الهجمات الإعلامية والسياسية والدينية تظهر مدى عمق الدولة في مصر. إذا خرج المرء عن قيود المجتمع الطبيعية المحافظة، فسيواجه هجمة من مختلف الجهات التي اختارتها الدولة للحفاظ على طواعية المواطنين. إنّ وفاة الناشط الإيطالي، جوليو ريجيني، من التعذيب في السجن هو مجرد مثال على الأهوال التي تنتظر 50،000 من السجناء السياسيين المحتجزين في سجون مصر. من خلال السيطرة على وسائل الإعلام والدين ومؤخّراً حتى التعبيرات عن التوجه الجنسي، أصبح التعبير عن النفس في مصر صعب المنال. الأمر الذي يعني أنّ ثورة 25 يناير لم تنل غير التقليل من شأنها إلى أدنى حد في كتب التاريخ المصرية، كما أنّ الاحتجاجات التي جلبت السيسي إلى السلطة، أصبحت الآن محظورة.

ولكن لم يتم فقدان كل شيء. لا يزال الفنانون يواصلون تخطي الحدود في مصر من خلال عروض ساخرة مثل أبلة فاهيتا وتيترو مصر التي توخز النفاق الديني في مصر. يجب على المصريين مواصلة الكفاح من أجل التعبير الفردي وإلا لن تكون هناك حريات في مصر.


**بول جاد الله، أخصائي اتصالات من مدينة نيويورك، ومحلل سياسي واعد في بيروت.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org