رؤى

دعوة إلى انتفاضة ثالثة

paul gadalla

بول جاد الله
مُساهمٌ في رؤى الراي

بيروت: ينبغي على الفلسطينيين القيام بانتفاضة ثالثة الآن، أكثر من أي وقتٍ مضى. لم تُسفر عقودٌ من المفاوضات والمماطلات إلا عن التوسع في بناء المستوطنات وتدهور الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية لأهل فلسطين. حان الوقت مرة أخرى ليتحد الفلسطينيون متضامنين مع بعضهم لتعلوَ أصواتهم المناهضة للاحتلال الصهيوني الجاري.

لقد أثبت التاريخ أن الانتفاضتين الأخيرتين كانتا الحدثين الوحيدين اللذين أجبرا الإسرائيليين على الجلوس إلى مائدة المفاوضات مع القيادة الفلسطينية. فلأعوامٍ تحدَّثت وسائل الإعلام عن ضرورة السلام، وأمكن التوصل إلى اتفاقاتٍ وتنازلاتٍ سياسية، كما حدث بين الهند وباكستان، أو بين اليونان وتركيا. وظنَّ العالم فعلًا أن اتفاقية أوسلو التي وقعها الطرفان في عام 1993 ستُفضي إلى السلام الذي رغب فيه الناس.

لكن اتفاقية أوسلو فشلت في النهاية، إذ استمر بناء المستوطنات الإسرائيلية، وصار الفلسطينيون محبوسين حرفيًا داخل السياج الأمني الإسرائيلي الباطل. وتعاقبت حكومات إسرائيلية محافظة، سعت فقط إلى إحباط أي أملٍ في التطبيق الكامل لبنود اتفاقية أوسلو، ورفضت خطط السلام التي قدمتها الدول العربية. نتيجةً لذلك، لم تُبدِ إسرائيل أي إشاراتٍ ملموسة إلى أنها ستسمح بتأسيس دولة فلسطينية.

من رحم هذا الفشل جاءت الانتفاضة الثانية، التي أعادت الإسرائيليين إلى مائدة المفاوضات بعد إراقة الكثير من الدماء. ومرة أخرى، وضع الطرفان مخططًا للسلام لم يتم تطبيقه. وتعرضت حركة حماس، أحد الفصائل الفلسطينية الكُبرى، إلى الإقصاء من جولات المحادثات الكُبرى. وما زاد الأمور سوءًا هو الاقتتال الداخلي بين فتح وحماس، الذي أضعف الموقف الفلسطيني. ونجحت إسرائيل في ضم فتح إلى جانبها بدرجة ما، بينما ظلت حماس محاصرة في غزة.

الوضع الاجتماعي الاقتصادي للفلسطينيين مؤسف للغاية. زاد عدد المستوطنات جنبًا إلى جنب مع عمليات تدمير منازل الفلسطينيين. يعيش أكثر من 400 ألف إسرائيلي في الضفة الغربية وحدها، في مستوطنات غير شرعية. وتظل غزة مدمرة بفعل حربين إسرائيليتين، وفتح في الضفة الغربية تتبع بصورة رئيسية توجيهات الحكومة الإسرائيلية. ويُرغم كثيرٌ من الفلسطينيين على المرور بنقاط تفتيش مهينة؛ من أجل إيجاد وظائف برواتب هزيلة في إسرائيل، في حين يقبع الاقتصاد الفلسطيني في هوة الدمار. ويُمكن أيضًا احتجاز الفلسطينيين وإيداعهم السجون دون توجيه تهمة أو إجراء محاكمة.

Embed from Getty Images

تغلي الشوارع بالغضب بالفعل، ما يزيد إزعاج السُلطة الفلسطينية التي حاولت طمأنة المخاوف الإسرائيلية واستعراض قدرتها على الحكم. والشرارة موجودة بالفعل، إذ وضعت إسرائيل أجهزة لكشف المعادن على بوابات المسجد الأقصى المُبارك، ما أشعل احتجاجات واسعة في القدس.

هي مسألة وقتٍ قبل أن تبدأ التظاهرات في الانتشار في أنحاء الأراضي الفلسطينية. يُظهر شباب فلسطين الآن أنهم أسمى من السياسات الحزبية والصفقات الدولية. إنَّهم هُنا ليعلنوا أنَّهم لن يسمحوا بعقد صفقاتٍ بين لاعبين إقليميين على حسابهم. لن يسمحوا لإسرائيل بالسيطرة على مقدساتهم، وسيُواجهون تدشين نقاط تفتيش جديدة.

حس التضامن الشبابي هو ما مكَّن الانتفاضتين السابقتين من الحدوث، لا الانحياز إلى إيران أو إلى السعودية. سئم الفلسطينيين جميعًا انتظار زحف الجيوش العربية لتحررهم من الاحتلال، وقرروا عوضًا عن ذلك تولي القضية بأنفسهم، ليجبروا الإسرائيليين على التعامل معهم بجدية.

وكانت الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت في عام 1987، هي التي جلبت المحنة الفلسطينية فعلًا إلى الساحة الدولية مرة أخرى. لم يفعلها الجيش المصري ولا الأردني، وإنما وقوف الفلسطينيين من سائر المجالات في وجه الاحتلال الإسرائيلي بطرقٍ مختلفة.

الانتفاضة الثالثة ضرورية لإعادة التماسك الاجتماعي إلى المقاومة الفلسطينية وإنهاء الاقتتال الداخلي بين الفصائل الموالية لإيران والمناهضة لها. ستُرسل الانتفاضة رسالة إلى كبار اللاعبين الإقليميين، ومنهم السعودية وتركيا، مفادها أن القضية الفلسطينية لا يُمكن تهميشها أملًا في توقيع صفقات تجارية مع الشركات الإسرائيلية. انتفاضة ثالثة ستُعيد إسرائيل إلى مائدة المفاوضات.

لكن هذه المرة، ينبغي على الفلسطينيين دفع إسرائيل إلى تقبل عدم إمكانية الاستمرار في بناء المستوطنات وتدمير منازل الفلسطينيين. ينبغي عليهم إجبار المفاوضين الفلسطينيين على المُطالبة بخريطة طريقٍ ملموسة مُلزمة تُعيد توجيه الانتباه الدولي شطر القضية الفلسطينية. ويُمكنها أيضًا أن تشجع الكثير من العرب في المنطقة على الاضطلاع بالقضية الفلسطينية مرة أخرى. في غياب انتفاضة حقيقية مبنية على التضامن، ستستمر معاناة القضية الفلسطينية في حين تستمر إسرائيل في احتلالها الغاصب للأراضي الفلسطينية.


**بول جاد الله، أخصائي اتصالات من مدينة نيويورك، ومحلل سياسي واعد في بيروت.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org