رؤى

روايات

جيفري مارتن

مساهم في رؤى الراي

الكويت: منذ أواخر عام 2010، حدثت تغييرات سياسية جذرية في الكويت. وما زالت هذه الأحداث تشكل تحدياً لسياسات الحكومات الكويتية المتعاقبة في سعيها للتوصّل إلى استراتيجية لاحتواء وإعادة توجيه التغيير الاجتماعي في اتجاه يعزز استمرار حكمها.

يرتبط الكثير من النقاشات الجارية في أروقة السياسة الكويتية بـ “نقطة انعطاف” وحيدة، كما وصفتها الخبيرة بشؤون الكويت كريستين ديوان. ألا وهي اقتحام واحتلال البرلمان الكويتي من قبل عشرات الناشطين والنواب في 16 نوفمبر 2011. ستبقى تلك الليلة حاضرة في ذاكرة متابعي السياسة في البلاد لسنوات قادمة. فقد خطّت تلك الأحداث عدّة انجازات غير مسبوقة في التاريخ الكويتي: استقالة رئيس وزراء نتيجة الاحتجاجات وأكبر الاحتجاجات المدنية في تاريخ البلاد، مسيرات كرامة وطن، وخطاب مسلم البراك الشهير الذي أدى إلى سجنه.

هنالك الكثير من الالتباس حول كيفية حدوث كل ذلك.

كيف دخل المتظاهرون إلى قاعة المجلس؟ البعض يجادل بأن المتظاهرين قاموا بتحطيم الباب، على الرغم من أنّ الباب يبدو أنه قد يصمد أمام سلاسل دبابة. السؤال الأكثر واقعية، من فتح الباب للمتظاهرين؟ كان أحد الضباط قد ادّعى بأنه تلقى أمراً بذلك، إلا أنّ التحقيقات اللاحقة لم تثبت هذا الادعاء. وماذا حدث بعد الدخول الى القاعة؟ تم تداول الكثير من الصور عما حدث في القاعة تلك الليلة.

هناك قضية أخرى أيضا، وهي الضرر الذي لحق بقاعة المجلس. تفاوت حجم الأضرار بشكل واسع، بين 300 إلى 5000 دينار كويتي وفقاً لعدد كبير من التقارير. العديد من الادوات تضررت، عدة كراسي ومصباح، والأهم من ذلك مطرقة رئيس المجلس (في الواقع تم سرقتها). هل كانت هذه الأضرار كبيرة؟ هل هي مهمة؟

هل كان المتظاهرون مواطنين كويتيين؟ كثير ممن أعرفهم من الكويتيين المعارضين للاقتحام يجادلون بأن بعض الذين كانوا في الحشد هم من غير الكويتيين. إذ انتشرت شائعات عن سيارات تحمل لوحات سعودية في موقف السيارات المقابل.

في صلب الموضوع تأتي مسألة حرمة مبنى البرلمان. هل لدى الناس الحق في اقتحامه؟ هل هو بيت الشعب، بمعنى أنه يسمح لهم بدخوله كما يريدون؟

لم تتقبل الحكومة الاقتحام واتهمت المشتركين بمجموعة متنوعة من الجرائم تتعلق بتلك الليلة. كانت محكمة أولية قد ردّت جميع الاتهامات منذ عدة سنوات، واعتقد معظم الكويتيين أن محكمة الاستئناف إما أن تحذو حذوها أو أن تصدر توبيخاً خفيفا.

لكن حكم محكمة الاستئناف في نوفمبر الماضي كان ليس خفيفاً أبدا. كان النواب الكويتيون الحاليون والسابقون من بين 70 متهما تقريبا حكم عليهم بالسجن ما بين سنة وتسع سنوات لاقتحام برلمان البلاد في عام 2011. ومن بين المحكومين ثمانية نواب سابقين وثلاثة أعضاء في المجلس الحالي. حكم على 28 متهم بالسجن لمدة تصل الى خمس سنوات بسبب “استخدام القوة والتحريض على الاضطرابات”، وحكم على 23 آخرين بالسجن لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر مع الأشغال الشاقة بسبب “تصرفات عنيفة وإجرامية”، وحكم على خمسة آخرين بالسجن لسنتين بسبب “التجمهر والاعتداء على ضباط الشرطة”، بينما حكم على 10 منهم بالسجن لمدة سنة واحدة.

ما رأي الناس بنتيجة القضية؟ اشاد بعض الكويتيين بتعزيز المحكمة لاحترام القانون والنظام في حين اعتبرها البعض الآخر قاسية جدا.

لقد قام معظم المتورطين بتسليم أنفسهم مباشرة بعد إصدار الحكم، بمن فيهم نواب حاليين مثل جمعان الحربش ووليد الطبطبائي ونشطاء مثل سليمان بن جاسم. معلنين حبهم للكويت والولاء لدستورها. وفي حين أنّ محكمة النقض النهائية قد تقلل أو تنقض عقوبتهم، فإن النتيجة النهائية ليست واضحة بعد. وقال محامي الدفاع انه سيحتج ببطلان المحاكمة، قائلاً ان جلسة الاستماع عقدت في غياب فريق دفاع كامل.

ما هي جذور تلك الروايات المختلفة عن هذه الليلة؟ يعود ذلك المساء إلى ما هو أبعد من أحداث “الربيع العربي”، ذلك المصطلح الموسمي القديم الذي لم يتبقّى إلا القليل من معناه السابق.

إنّ السبب المباشر للاحتجاجات في البرلمان هو الخلاف حول اعتقال عبيد الوسمي، وهو عضو في البرلمان وأستاذ معروف في جامعة الكويت، في 8 ديسمبر 2010 خلال ندوة سياسية لمناقشة قضية قانونية ضد عضو آخر في البرلمان. حيث أدت محاولات الشرطة لوقف الاجتماع إلى مواجهة عنيفة مع من يعارضونهم. ونشرت قناة الجزيرة وبعض الصحفيين المواطنين تقاريراً عن الأحداث على نطاق واسع، مما زاد من أهميتها السياسية.

بدأت مجموعات كبيرة من الشبان من الخلفيات البدوية في التجمع لمناقشة الوضع السياسي في الكويت فيما يتعلق بالوسمي. في نواح كثيرة، حرّضت الأحداث المحيطة بالوسمي أمراً كان ينشط أصلا، التهميش، والشعور بالعجز السياسي بين الذين يعتقدون أنهم مهمشون.

بعد أن كانت متفرقة ومشتتة في البداية، قامت عدّة مجموعات شبابية مثل “كافي” و”السور الخامس” بتنظيم وعقد اجتماعات وندوات وحملات تجنيد في مراكز التسوق إضافة الى اعتصامات صغيرة ابتداءً من 28 فبراير 2011 فصاعدا. وفي أول اعتصام كبير في 8 مارس – نظمه كافي – في ساحة “الإرادة”، طالب نحو ألف متظاهر برحيل ناصر المحمد. وعلى الرغم من أن عدد المتظاهرين آنذاك لم يتجاوز الألف، إلا أنّ أهميتهم ضمن السياق الكويتي كانت كافية لجذب المئات أكثر من الاحتجاجات السابقة. تلك التوترات المتصاعدة بين المجموعات الثائرة وقوات الأمن هي التي أدّت في النهاية إلى اقتحام البرلمان في 17 نوفمبر 2011.

أمرٌ كهذا يعتبر حقاً حدثاً بارزاً بالنسبة للكويت. لم يحدث قطّ أن احتج الشباب البدو على هذا النحو في تاريخ الكويت. ومع ذلك، ما كان مثيراً للاهتمام في هذه الفئة من الشباب هو إيمانهم في ارتباطهم بالحركات السابقة، وأبرزها “الحركة البرتقالية” في عام 2006، حين وضع الكثيرون الأشرطة البرتقالية في إشارة إلى الثورة في أوكرانيا.

Embed from Getty Images

ولكن البعد ما بين حركة 2006 وقرينتها في العام 2011 لا يمكن إلا أن يكون ببعد مدينة الكويت عن كييف. فقد كان الناشطون من الحركة البرتقالية الأصلية بعيدون كل البعد عن الشباب الذين احتشدوا في عام 2010، واكتفوا بتأييد خجول لأهدافهم في احتجاجات عام 2011.

كانت الحركة البرتقالية قد تكوّنت أصلاً من شباب المناطق الحضرية، المناطق التي يعتبر سكانها هم سكان الكويت القديمة الأصليون، ما بعد الطريق الدائري الخامس. كانت هذه الحركة مختلطة (على عكس الاحتجاجات الأخيرة) وعلمانية، وكانت مدعومة في المقام الأول من قبل الحركات الوطنية المدنية واليسارية، وإلى حد ما من الكتل الشيعية. وعلى النقيض من ذلك، كان الشباب في عام 2010 أساساً من المناطق القبلية، وكانوا يضمّون العديد من الشباب من حركة الإخوان المسلمين في الكويت.

لقد احتشدت حركة عام 2006 للضغط من أجل إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية البرلمانية الخمسة والعشرين إلى خمسة دوائر؛ ضد الجماعات القبلية. وکما أشارت کریستین ديوان، “کان المتظاهرون في عام 2006 عازمین علی الحدّ من التأثير المتزايد للقبائل، التي کانت تمثل نحو 60 في المئة من المواطنين الکویتیین“. وعندما قبلت الحكومة بمطالب تلك الحركات ردّت أكبر ثلاث قبائل بالانتقام في البرلمان. في عام 2009 كان نوّاب القبائل في طليعة فضيحة الودائع وفضائح الفساد الأخرى، ووصل ذلك إلى القمّة في نوفمبر 2011. ومن المفارقات أن نجاح الحركة البرتقالية في عام 2006 أدى مباشرة إلى نهوض حركة 2011 واقتحام البرلمان، على الرغم من أنّ ذلك يتضارب مع جميع أهدافها السابقة تقريبا.

كما كانت وجهات النظر الأيديولوجية لحركات عام 2011 مختلفة جدا. ويظهر ذلك بكلّ وضوح في آرائهم بشأن الاحتجاجات الجارية في البحرين. وقد اعتمدت الحكومة الكويتية نبرة ليّنة جدا تجاه الاحتجاجات عند دوار اللؤلؤة، ورفضت المشاركة الفعلية في التدخل السعودي أثناء حملة قمع المتظاهرين في المنامة، وأرسلت مفرزة بحرية ووحدة طبية. وعلى النقيض من النبرة الكويتية اللينة، رأى العديد من الناشطين الشباب أن أعمال الحكومة تمثّل تحالفاً مع إيران. فعمدت القبائل والإسلاميين والتيار السني الى توحيد صفوفها ضد كل من الانتفاضة البحرينية والحكومة. ومن التناقضات في هذا الاحتجاج أنّ الجماعات الذين اتهموا الحكومة بأنها غير ديموقراطية هم نفسهم أيضاً من أيدوا الحملة العنيفة ضد المتظاهرين السلميين في المنامة.

بالنسبة لأعضاء البرلمان الذين شاركوا في تحرّكات المعارضة، فهم يستحقون مقالة أخرى خاصة بهم لما فعلوه (ولم يفعلوه). فقد ظهرت شخصيات مثل أحمد سعدون ومحمد المطيري ووليد طبطبائي ومسلم البراك بكثافة في الاحتجاجات، على الرغم من ضعف التخطيط أو التنظيم لديهم. في معظم النواحي، هم تصرّفوا على طبيعتهم كسياسيين متمرّسين؛ بالاستفادة من فرصة معينة للنهوض بخططهم السياسية. يمكن الاطلاع على كتاب ماكيافيللي “الأمير” لفهم أكثر للموضوع. ولأنه يجب على النواب أن يبذلوا معظم جهودهم في الضغط على الوزراء المتنفّذين لصالح دوائرهم الانتخابية، فإن الكثيرين منهم لا يهتمون بتحدّي القواعد الأساسية للعبة السياسية. في رأيي، كان لأفعالهم أثر عكسي. لقد تصرفوا كما لو كان لديهم خطة بينما لم يكن لديهم أي شيء. تلك كانت المشكلة الرئيسية عند نواب المعارضة. هم رائعون في الكلام ليس إلا.

في أكثر من مناسبة أثناء الاحتجاجات، اضطر النشطاء للقتال من أجل استرجاع الميكروفون. وظهرت نتيجة هذه التعدّيات على استقلاليتهم في مظاهرة احتجاجية في أواخر مايو عندما أجبر ناشطون شباب نائب شعبي كان يشارك في تجمعهم على قطع خطابه، مما يدل على أن البعض في الحركة يشعرون بالقلق إزاء عملية الاستيلاء التي يرونها متفشية في النظام السياسي المبني على المحسوبية في الكويت. وعلاوة على ذلك، اعتبر الكثيرون زعيم المعارضة المتمرّس البرّاك “شخصاً انتهازياً كان قد عادى الحكومة بلا داع، ولأسباب لا علاقة لها بالديمقراطية بل بتوسيع نطاق المحسوبية والنفوذ القبلي“. وفي حين أن الانتقادات لسياسة الحكومة والفساد والضيق الاقتصادي هي جزء من حرية الصحافة الكويتية، فإن محاولته لإصلاح النظام كان ينظر إليها على أنها احدى اشكال الانغماس الذاتي ومتباعدة عن الواقع. وذكر مراسل صحيفة “عرب تايمز” يوسف عوض العازمي حقيقة العديد من النواب بعد الاحتجاجات. أهدافهم، كما يقول، بسيطة و”التكتيك السياسي الوحيد لديهم هو، خالف تُعرف“.

ماذا كانت تداعيات هذه الأحداث؟

لقد حققت المعارضة البرلمانية مكاسب كبيرة في أعقاب أحداث ساحة الإرادة. ففي الانتخابات البرلمانية التي أجريت في فبراير 2012، أسفرت الانتخابات عن تبدّل 54 في المائة من أعضاء البرلمان، وتدشين الأغلبية لنواب المعارضة. ولأول مرة انتخب أغلبية النواب في برنامج تحالف ضد الفساد والأسرة المالكة والمشاكل الاقتصادية الناجمة عن عدم كفاءة الحكومة. وهذا أمر غير مسبوق في السياسة البرلمانية.

ومع ذلك، لم يطرأ تغيير يذكر على البرلمان بخلاف أنه يبدو متضرراً من نجاح المعارضة أكثر مما كان من قبل. لقد أضعفت المعارضة، ربما بشكل دائم بسبب الاستقطاب والخلل الناتج عن المؤسسة السياسية. وقد أدى ذلك بطرق عديدة إلى تغيّر في الرأي العام. ففي حين أنّ العديد من الكويتيين قد تبنّى موقف “الانتظار والترقب” لنجاحات المتظاهرين الأولى في العام 2011، دفع الخلل الناتج الكثيرين ممّن أعرفهم الى أن يفضلوا الاستقرار السياسي الذي صاحب الفترة السابقة على قوائم العواقب المجهولة التي تنتج عن محاولات إصلاح النظام. فاليمن وسوريا وليبيا ومصر جميعها توفّر دروساً لما يمكن أن يسوء أثناء هذه المحاولات.

عل الأحداث الأخيرة قد عززت هذه الآراء كأزمة قطر وزعزعة الاستقرار في المنطقة، مما أثار القلق عبر الطيف السياسي في الكويت. وفي 24 أكتوبر، “وقف الأمير صباح الأحمد الصباح أمام الجلسة الافتتاحية للبرلمان الكويتي” وأصدر دعوة نادرة إلى الوحدة. وبينما يكافح البرلمان الحالي بعد استقالة مجلس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة، يبقى لنا أن نرى ما إذا كنا سنشهد فترة وحدة وطنية في مواجهة هذه الأزمات العديدة. ولكن ما هو مؤكّد، أنّ روايات تلك الليلة ونتائج تلك الأحداث ستطبع بشكل كبير على الثقافة السياسية للكويت لعقود قادمة. وسوف تستمر الانقسامات بين الأفراد الذين راقبوا هذه الأحداث والقضايا ضد النشطاء والنواب حتى يصدر القرار من المحكمة الثالثة. ويحدوني الأمل في إيجاد أرضية للتوسط في هذه الأحداث والمضي قدما إلى زمان ومكان يمكن فيه للأطراف المتنازعة التوصل إلى حلّ لا يخلق تظلّمات طويلة الأمد تجعل النظام السياسي أكثر تقلّباً في المستقبل. إن المصالحة هي مفتاح الاستقرار السياسي، والكويتيون بحاجة إلى العمل معا في هذه الأوقات المبهمة والخطيرة في المنطقة.

 


*جيفري مارتن، طالب دكتوراة في قسم العلوم السياسية بجامعة تورنتو في كندا. يدرس السياسة الكويتية، مع التركيز على التطور التاريخي للقوة الاجتماعية والسياسية في الجمعيات التعاونية منذ أربعينيات القرن الماضي. يعمل جيفري أيضًا كاتبًا مستقلًا لدى مجلة زينيت الألمانية، ومستشارًا بمركز تحليلات دول الخليج البحثي في العاصمة الأمريكية واشنطن.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org