رؤى

غرفة الطوارئ

جيفري مارتن

مساهم في رؤى الراي

الكويت: كانت الكويت وجهة رئيسية للمغتربين لعقود طويلة. والسبب الرئيسي، الى جانب قوة تداول الدينار الكويتي، هو نظام الرعاية الصحية الممتاز والمتاح للوافدين بأقل التكاليف. بالرغم من كثرة الشكاوى، إلا أنّ فترات الانتظار في المستشفيات الكويتية قصيرة، ونوعية الرعاية تضاهي تلك التي في أوروبا وأمريكا الشمالية مقابل جزء بسيط من السعر.

في أغسطس، أعلنت وزارة الصحة الكويتية عن جدول جديد لرسوم الخدمات الصحية. لطالما قام البرلمانيين بتوعّد الوافدين برسوم جديدة، وهو ما حدث أخيرا. وبما أن السكان غير الكويتيين يشكلون حوالي 70٪ من سكان الدولة، فهم بذلك يعتبرون المستخدم الرئيسي للرعاية الصحية، وبالتالي فإنّ هذا الفعل له تداعيات كبيرة على السكان.

الرسوم الجديدة للفحوص الطبية العادية هي دينارين وخمسة دنانير في عيادات الطوارئ وعشرة دنانير في العيادات الخارجية. كما تبلغ تكلفة الإدخال عشرة دنانير، بينما تبلغ تكلفة وحدات العناية المركزة ثلاثين دينار. سيتم تحصيل خمسين دينار من المرضى الذين يختارون غرفاً خاصة بالإضافة الى تأمين بقيمة مئتي دينار. وفي حين أنّ رسوم الإدخال تشمل الدواء، إلا أنّها لن تغطّي العمليات الجراحية والأشعة السينية والفحوص المخبرية. ابتداء من هذا الشهر، فإنّ الزيادة في الرسوم ستشمل رسوم الولادة الطبيعية وجراحة القلب و74 نوع من فحوصات الطب النووي و32 نوع من فحوصات الأشعة والفحوصات المخبرية واستبدال الأطراف الاصطناعية. تتراوح الرسوم بين 40 و500 دينار. وشهدت الفحوصات الإشعاعية على وجه الخصوص زيادة حادة في السعر لتصل إلى مائة وعشرين دينارا للفحص الواحد.

لقد صرّح وزير الصحة، جمال الحربي، أنّ الأسعار ستزداد في نهاية المطاف بنسبة 500٪، على الرغم من أنّ الرسوم والخدمات لا تتجاوز 20٪ فقط مما هي عليه في المستشفيات الخاصة (مثل مستشفى المواساة). كذلك فإنّ الرعاية الصحية في القطاع الخاص، التي يستخدمها الكويتيون بكثافة بالإضافة الى العديد من المغتربين الأغنياء (وخاصة طب الأسنان والعيون)، هي أيضاً لم تعفى من الزيادات في الأسعار. ووفقا لما ذكرته الشركة الوطنية للتأمين الصحي، فإنّ التأمين الصحي الخاص للوافدين في الكويت من المتوقع أن يقفز 165٪ من 50 إلى 130 دينارا.

يتراوح مدى استخدام الرعاية الصحية في الكويت تبعاً لفئة الوافد، ولكن هناك أمراض شائعة حازت على حصة كبيرة من تكاليف الرعاية الصحية. إذ يعزى العديد من المشاكل الصحية الشائعة بين الذكور العزّاب (الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان الوافدين) إلى الشعور بالوحدة والاكتئاب. بشكل عام، هناك نسبة عالية من الإدمان على الكحول وكثرة التدخين وإدمان الأدوية التي تتطلب وصفة طبية في البلاد، والحكومة تتعرض لضغوطات لكي تلحق بالركب وتقدم الخدمات اللازمة للتعامل مع هذه التعقيدات من الإدمان واضطرابات الشخصية ونظرة التحريم التي تقترن بعلاجها. مشاكل الجهاز التنفسي والجفاف هما أيضا مسألة خطيرة، مع حرارة الصيف والغبار المختلط مع التلوث من مصافي النفط وعوادم المركبات التي لا تحصى على الطرق الكويتية مما يتسبب بمشاكل خطيرة في التنفس. مقترنة بساعات العمل الطويلة والعمل الشاق في صناعة البناء والخدمات، تعمل مجموعة متنوعة من الأمراض على انخفاض الجهاز المناعي وتؤدي إلى تفشي واسع للإنفلونزا وفيروسات الحمّى وغيرها من الأمراض. بالرغم من أنّ هذه الأمراض هي نوعاّ ما بسيطة إلا أنها تستغرق وقتاً طويلاً من العاملين في مجال الرعاية الصحية وتملأ غرف الانتظار وتنفق موارد كثيرة.

Embed from Getty Images

على الرغم من أنّ ارتفاع الرسوم لا يمثّل ولو قليلاً التكلفة الفعلية للخدمات الصحية التي يتم تقديمها للوافدين في الكويت، إلا أنّ الزيادات مرتفعة بما فيه الكفاية لضمان أن معظم الوافدين ذوي الدخل المنخفض لن يستطيعوا تحمل أيّ من الجراحات أو الإجراءات التقنية باهظة الثمن اللازمة للمشاكل القلبية والسكري ومختلف أنواع السرطان وأمراض الشيخوخة المعقدة. تتراوح معظم الأجور بين 300 و600 دينار شهريا، وهي أقل بكثير من التكلفة اللازمة لتوفير العلاج للأمراض أو حالات الطوارئ المذكورة أعلاه على المدى الطويل. هذا مرتبط بالذات بالمنازل ذات الدخل المنفرد، حيث يحتاج شخص واحد إلى أن يعيل عدد من أفراد العائلة.

إنّ أسباب رفع الرسوم معقدة، ولكن عادة ما ينظر إليها على أنها سياسية وجزء من الجدل حول العام مقابل الخاص الذي لطالما دار في الكويت لسنوات عدّة بين أولئك الذين يعتقدون أن الحكومة يجب أن تبدأ في خفض الدعم وخصخصة الكثير من دولة الرفاهية الوطنية.

تعتبر الموازنة الصحية عبئاً عاماً على ميزانية الحكومة، ويرجع ذلك أساساً إلى ارتفاع أسعار الأدوية والمعدات الطبية. على سبيل المثال، ارتفعت الأسعار العالمية لنظائر مشعة ضرورية لصنع بعض أدوية السرطان، وصارعت جميع البلدان لمواكبة التوترات في صناعة الأدوية. من المتوقع أن يبلغ العجز في الميزانية في عام 2017 ما بين 6 و6.5 مليار دينار كويتي، مما يثقل على الموارد الحكومية في وقت انخفاض أسعار النفط وتزايد عبء رواتب الحكومة الكويتية.

استمر برلمانيون، أمثال صفاء الهاشم، بالضغط على الحكومة لخفض الرعاية الصحية المدعومة في الكويت. هذا جزء من شعار “إلقاء اللوم على المغتربين” الذي يتدفق وينحسر في السياسة الكويتية. كما دعا النائب مبارك الهجرف الحكومة إلى الحد من الاعتماد على العمالة الأجنبية واعتبر أنّ زيادة تكاليف الرعاية الصحية هي إحدى الطرق للقيام بذلك. وقد تصاعدت انتقادات محددة حول ارتفاع عدد الأشخاص في المواقع الأجنبية بينما يجد الشباب الكويتيون صعوبة في الحصول على وظائف في القطاع الخاص. الاعتقاد يتمثل بأنّ العديد من الوافدين يستفيدون من الثغرات القانونية في قانون العمل أو نقل التأشيرات أو أخذ وظائف لحسابهم الخاص أو شراء التأشيرات والعمل بشكل حر. أنا لست متأكداً حقاً من مدى واقعية هذه الادعاءات حتى وإن كانت مدعومة على نطاق واسع من قبل عدّة شرائح من السكان الكويتيين.

في رأيي، أنّ الغالبية العظمى من الكويتيين لا يريدون العمل في مناوبات تمتد من 8 إلى 10 ساعات يوميا كما يفعل معظم الوافدين. وعلاوة على ذلك، فإن الوافدين الذين استهدفتهم تكاليف الرعاية الصحية العالية هم في مهن (البناء والإدارة الدنيا والسكرتارية والمحاسبة) لا يمكن أن نجد مواطن كويتي يعمل بها. وتتكون أكثر من 80٪ من القوى العاملة في الكويت من الجنسيات الهندية والمصرية والباكستانية والتركية والسورية والإيرانية، ورواتب هذه الوظائف أقل بكثير مما يستلزم دفعه الى معظم الكويتيين، مما يعني أن الشركات الخاصة ليس لديها أي حافز لتقليل عدد الوافدين بغض النظر عن الزيادات في الرسوم. فمقابل راتب مواطن كويتي واحد، يمكن توظيف اثنان أو ثلاثة من هذه الجنسيات. حتى مع زيادة رسوم الرعاية الصحية، ذلك لن يتغير. وسوف يعني فقط أن العمال أنفسهم، الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الرعاية الصحية الجديدة، سيبقون في البلاد مع أسرهم ولكن ليسوا معافين كما كانوا من قبل. إن أنظمة الرعاية الصحية في معظم بلدانهم لا تدنوا حتى من نوعية الرعاية المقدمة الى المواطنين الكويتيين، لذلك لا يوجد لديهم خيار أفضل.

وبينما تعتزم الحكومة الكويتية حاليا التخلص من 100 ألف وافد سنويا خلال السنوات العشر القادمة، ستكون تلك مهمة صعبة. في عام 2016، تم ترحيل 29 ألفا من الوافدين، وقد أدت هذه الحملة إلى زيادة الموارد. أكثر من نصف المبعدين كانوا من مصر والهند وهذه هي المجموعات التي تستهدف بشكل خاص عند زيادة رسوم الرعاية الصحية، حيث أنّ عادة ما يكون لديهم عائلات كبيرة تعيش معهم في الكويت. وإذا تم تنفيذ الخطة، فلن يسمح لعدد السكان في هاتين الفئتين (600،000 مصري و900،000 هندي) بتجاوز 500،000 شخص.

بصورة عامة، من غير المعروف ماذا سيكون وقع هذه الزيادات في الرسوم. رسميا، وفقاً للوزير الحربي، سيتم دراسة ذلك في الأشهر المقبلة. هناك مجموعات من الأطباء بدأت فعلا الاحتجاج على زيادات رسوم الرعاية الصحية، حيث أنه من المنافي لأخلاق مهنتهم أن يرفضوا خدمة من يحتاج إليهم. وبما أن المعركة بين أولئك الذين يرغبون في مغادرة الوافدين (المصريين والهنديين) بأعداد كبيرة، وغيرهم ممن يرون الوافدين بشكل عام أمراً حيويا لبقاء البلاد، فإن الأشهر القادمة ستلقي ضوء جديد على الكيفية التي ستؤثر بها زيادة رسوم الوافدين على مكانتهم في البلاد. أنا شخصيا أشعر بالقلق على تماسك البلد، ودولة الرفاهية، التي توفر الكثير لكافة الناس في الكويت وتعتبر مثالاً لأجزاء أخرى من العالم على مسؤولية الحكومات لتقديم ما يحتاجه كافة الناس.

 


*جيفري مارتن، طالب دكتوراة في قسم العلوم السياسية بجامعة تورنتو في كندا. يدرس السياسة الكويتية، مع التركيز على التطور التاريخي للقوة الاجتماعية والسياسية في الجمعيات التعاونية منذ أربعينيات القرن الماضي. يعمل جيفري أيضًا كاتبًا مستقلًا لدى مجلة زينيت الألمانية، ومستشارًا بمركز تحليلات دول الخليج البحثي في العاصمة الأمريكية واشنطن.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org