رؤى

قصف سوريا لوقف الفصف على سوريا: المفارقة

paul gadalla

بولس جاد الله

مساهم في رؤى الراي

 

دفع قرار الرئيس الأمريكي ترامب بقصف سوريا الكثيرين للتفكير ملياً في هذه العملية؛ لا لأنها لم تحقق أي تغيير جذري في المعادلة السورية وحسب، بل صدمت الكثيرين بالموقف الذي اتخذه ترامب تجاه نظام الأسد.

طوال العام 2016، عبّر ترامب الذي كان مرشحاً رئاسياً آنذاك ثم رئيساً منتخباً حالياً عن دعمٍ معنوي لنظام الأسد ليس كمثله دعم. وقد جعل ترامب، عبر اتخاذه الموقف الأمريكي التقليدي القائم على رأيٍ محافظ، محاربة شياطين الإرهاب الإسلامي العنوان الأبرز لحملته الانتخابية، حتى أنه وجه أصابع الاتهام إلى الرئيس أوباما متهماً إياه بالوقوف وراء داعش وتأسيسها. واليوم ها هو يقف إلى جانب سوريا وروسيا في محاربة الإرهاب. وقد تمّ جمع كافة الثوار السوريين معاً وكأنهم مجموعة من المتطرفين، بينما نُسيت أي جرائم حرب ارتكبها النظام السوري أو روسيا فسرعان ما نُسيت واعتبرت جزءاً من الصراع لمحاربة الإرهاب. كما وعد ترامب بالقضاء على داعش على الرغم من أنه لم يبدُ مدركاً لكيفية القضاء على منظمة إرهابية متطرفة كانت قد استحلت جزءاً كبيراً من الأراضي.

ومن خلال معرفتنا بقلّة خبرة ترامب (أو انعدامها) في المجال الحربي العسكري، لم يصدّق أحد بأنه سيكون قادراً على هزيمة داعش. وقد تأكّد بأن مساعيه العسكرية المحدودة في كل من اليمن والموصل كارثية وانتهت بقتل الكثير من المدنيين. ولهذا السبب، أصاب الذهول كثيرين عندما قام ترامب بعد ظهور تقرير حول الهجوم الكيماوي المزعوم من قبل نظام الأسد على منطقة شمال سوريا، بتغيير موقفه 180 درجة، وأصدر قراراً بقصف سوريا وبالتنصّل من نظام الأسد. انهمر تسعة وخمسون صاروخاً على مطار بالقرب من حمص حيث تم تنفيذ عملية الهجوم الكيماوي. ورأت إدارة ترامب أن نظام الأسد تخطى الخطوط الحمر عند لجوئه إلى الأسلحة الكيماوية، واعتبر ترامب أنه قام بذلك من أجل إنقاذ الأبرياء في سوريا. والساخر في الأمر أن أحد مستشاريه قال إن إدارة ترامب لم تغير موقفها من النظام السوري في حين صرّح ترامب للصحافيين بأن موقفه تجاه سوريا قد تغير.

وبعد أسبوعٍ واحد فقط، أصدر ترامب أمراً بقصف أفغانستان بما يُعرف بـ”أم القنابل“، وهي أكبر قنبلة غير نووية. ومرة أخرى، كانت الحجة مكافحة تنظيم داعش حيث يُفترض أن تضرب هذه القنابل شبكة مزعومة من الأنفاق التي يستخدمها التنظيم.

واليوم يزداد التوتر في منطقة شرق آسيا بعد أن بدأت حرب كلامية تزداد تصعيداً بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية؛ إذ تزعم الولايات المتحدة الأمريكية بأنها بدأت تفقد صبرها تجاه مضيّ كوريا الشمالية في تجربة صواريخها البعيدة المدى.

 

ما هو القاسم المشترك بين كل هذه الأحداث؟ عرضٌ للعضلات والحصيلة ضحايا من المدنيين. يبدو أن الرئيس ترامب عازم على استعاد نفوذ الولايات المتحدة. وعلى غرار أسلافه المحافظين، يعمل ترامب على تنفيذ هجومات في أكثر من بلد بحجة التصدي ومكافحة مفاهيم تلتبس معانيها مثل الإرهاب، ومساعدة الأبرياء، وجعل العالم أكثر أمناً وأماناً. من الغريب كيف أن ترامب لم يتعلّم من فترة ولاية الرئيس بوش. وبالعودة إلى تصريح للرئيس أوباما خلال مقابلة أجريت مؤخراً معه، استند بقراره عدم ضرب سوريا إلى الواقع بأن الولايات المتحدة لم تستطع الحفاظ على وجود مطوّل فيها، لا سيما وأن جيوشها كانت مضغوطة ومكبّلة الأيدي في كل من العراق وأفغانستان. إذ ساهمت الحروب التي أشعلها الرئيس بوش في استنزاف الاقتصاد والجيش. بل وزعم ترامب اليوم بأنه يفعل ما يفعله باسم الأبرياء في سوريا بينما وُجّه الاتهام إلى الديكتاتوري الذي يدعمه في العلن بانتهاك حقوق الانسان لسنوات، بالإضافة إلى استخدامه للسلاح الكيماوي من قبل. أما اليوم فقد اختلفت الأمور؛ وقد ولّى زمن الأنظمة القائمة على حكم رجل واحد في الشرق الأوسط مثل صدام حسين، ومعمّر القذافي. واليوم، تعج سوريا بالقوات الروسية والإيرانية بالإضافة إلى المليشيات المسلحة. إن محاولة بسط سيطرة الولايات المتحدة في مثل هذا البلد يُمكن أن تؤدي إلى صراع دولي. والوضع نفسه صحيح بالنسبة إلى كوريا الشمالية التي تقف الصين إلى جانبها كحليفها الأولي. كما يجب ألا ننسى وجود التنظيم الأكثر مراوغة المعروف بتنظيم داعش الذي أصبح موجوداً في العديد من البلاد. فنشوء هذا التنظيم جزءٌ من الفراغ الأمني المستمرّ في الدول العربية مثل اليمن والعراق وليبيا وسوريا. ومع تسبّب ترامب بسقوط المزيد من الضحايا في البلاد ذات الأكثرية المسلمة، فهو يؤدي بذلك إلى دفع المجتمعات أو الجماعات المهمّشة من المسلمين إلى أحضان داعش. وقد تعلّمنا من السنوات التي كان فيها بوش رئيساً أن القصف بالقنابل ليس وسيلة ناجحة للردع.


*بولس جادالله خبير في شؤون الاتصالات من نيويورك ومحلل سياسي مقيم في بيروت، لبنان.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org