رؤى

لا يمكن مواصلة الاستفتاء الكردي

paul gadalla

بولس جاد الله

مساهم في رؤى الراي

بيروت: قد يُسفر استفتاء الاستقلال الوشيك المُقرر إقامته في 25 سبتمبر 2017 بإقليم كردستان العراقي عن إثارة جولة جديدة من رَحَى القتال في العراق. فضلًا عن أنَّ أصداء تطلعات الأكراد لإقامة دولة مستقلة خاصة بهم ستتردد في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ربما تشهد الأيام التي تعقب الاستفتاء مباشرةً تَجدُّد التوترات بين الأكراد والعرب العراقيّين، بل قد يصل الأمر إلى نشوب صراعٍ مُسلَّح بين الطرفين. وذلك في ظل وجود العديد من المشكلات المُلحة، لا سيما حين يتعلق الأمر بترسيم حدود الدولة الكردية المحتملة، واحتمالية ضمها مدينة كركوك التي تحتوي مزيجًا من الأعراق.

وقد أطلق رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تصريحات مناهضة للاستفتاء بالفعل، بل وصل الأمر إلى قوله إنَّ السلطات العراقية قد تستخدم القوة لإخماد أي اضطراب يسببه التصويت، إضافةً إلى أنَّ الغالبية العظمى في البرلمان العراقي أدانت الاستفتاء.

علاوة على ذلك، هناك معارضة ضد التصويت داخل إقليم كردستان العراقي نفسه. امتنع نحو ثلث النواب الأكراد عن الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء، بالإضافة إلى إطلاق بعض المسيحيين الآشوريين – وكثيرٌ منهم يعيشون حاليًا في إقليم كردستان العراقي – تصريحات ضد الاستفتاء المثير للجدل. رغم كل ذلك، لا يزال الزعيم الكردي الحالي مسعود بارزاني مُصرًا على ضرورة إجراء الاستفتاء.

Embed from Getty Images

وشجبت سوريا وإيران وتركيا الاستفتاء خوفًا من تسببه في تشجيع مواطنيها الأكراد على المطالبة بالاستقلال كذلك. حتى الولايات المتحدة حذَّرت من الاستفتاء، ولم تقدم إلا القليل من الدعم الدولي لمساعي إجرائه. ومع ذلك، فالاستفتاء غير ملزمٍ ولن يُسفر عن إقامة دولة مستقلة من تلقاء نفسه. ولكنَّ من المُرجَّح أن يستخدمه بارزاني كورقةٍ تفاوضية مع الحكومة المركزية في بغداد، ويجني به مكاسب سياسية لدى مؤيديه.

لكن لا ينبغي التقليل من سعي الأكراد للاستقلال والحصول على الحكم الذاتي. جديرٌ بالذكر أنَّ هناك جماعات كردية في شمال العراق كانت تحارب القوات الحكومية العراقية حتى قبل ظهور نظام صدام، لكنَّ الأمور مختلفة هذه المرة؛ إذ سيواجه المقاتلون الأكراد حاليًا دولة ضعيفة بجيش لم يُعد توحيد صفوفه إلَّا مؤخرًا بعد تفتته في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) منذ عام 2014. وهُنا يُمكن أن يُثير فيه الاستفتاء توترًا إقليميًا، إذ تمتد الجماعات الكردية من جنوب تركيا عبر شمال العراق وسوريا إلى إيران. وتعاني تركيا بالفعل صراعات مع جماعات كردية على أراضيها. وفي سوريا، كوَّن الأكراد جماعات مسلحة خاصة بهم، وأنشؤوا مقاطعة شبه مستقلة تضمهم.

صحيحٌ أنَّه لم تظهر استطلاعات رأي حتى الآن تُشير إلى نتيجة الاستفتاء المحتملة، لكن معظم الإشارات على مدار العقود الثلاثة الماضية توضح ترجيح كفة الموافقة على الانفصال. ومنذ الغزو الأميركي في عام 2003، حافظ إقليم كردستان العراقي في شمال العراق على حكمه الذاتي تحت رايته الإقليمية الخاصة، وأثبتت ميليشياته أنَّها أقوى من الجيش العراقي في محاربة تنظيم داعش. وعلى عكس بقية الأراضي العراقية، يتمتع إقليم كردستان العراقي بالاستقرار والازدهار، ويعمل الإقليم بشكلٍ شبه مستقل، ولا يربطه بالحكومة العراقية في بغداد سوى بعض التملُّق. وحتى عند ظهور تنظيم داعش، وُضِع اللاجئون العرب في مناطق معزولة في إقليم كردستان العراقي.

ومن المؤكد أنَّ صراعًا سينشب حول مدينة كركوك الغنية بالنفط والتي تضم مزيجًا من الأعراق ما بين أكراد، وعرب، وآشوريين، وتركمان. ولطالما ادَّعى الأكراد أحقيتهم التاريخية بالمدينة، ومن المرجح للغاية أن يسفر أي نزاعٍ مُسلَّح عن حدوث تطهير عرقي.

في الوقت الراهن، يجب على القيادة الكردية كذلك أن تسأل نفسها عن مدى صلاحية هذه الدولة المستقلة للحياة، في ظل افتقارها إلى السواحل، وهو ما يعني أنَّه ستضطر لإبرام صفقاتٍ من أجل إنشاء شبكة من خطوط الأنابيب لضخ مواردها النفطية. كما أنَّها ستكون محاطةً بدول معادية لها، لا سيما تركيا. وسيتعين على الأكراد المكافحة للحصول على إمدادات كركوك النفطية، وإقامة حدود ثابتة. وفضلًا عن مشكلة الحدود، فإنَّ اقتصادها ليس متنوعًا بدرجةٍ كافية تضمن قوته بما يكفي لدعم إقامة دولة مستقلة.

قد يكون الاستفتاء الكردي في نهاية المطاف خطأ كبيرًا للأكراد العراقيين، ولا يسفر إلا عن زيادة التوترات العرقية في العراق الذي مزقته ويلات الحرب. إذ يتمتع إقليم كردستان العراقي بدرجةٍ كبيرة من الحكم الذاتي بالفعل داخل العراق في فترة ما بعد الحرب، وسيؤدي الاستفتاء على الانفصال إلى تفاقم ضعف الدولة العراقية. وحتى إن كان الاستفتاء غير مُلزمٍ، وربما لا يهدف إلَّا إلى إنكار تبعية الإقليم للعراق، فحريٌ بالقيادة الكردية أن تتحلى بالنضج السياسي وتسعى لحل مشكلاتها الداخلية. وينبغي عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار المناخ الجيو – سياسي الحالي في المنطقة، وأن يدركوا أن الاستفتاء لن يسفر إلا عن مزيدٍ من القتال، وليس مزيدًا من الحقوق التي سيحصل عليها الأكراد.


بولس جاد الله، أخصائي اتصالات من مدينة نيويورك، ومحلل سياسي واعد في بيروت.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org