رؤى

لعبة الكراسي الموسيقية بطبختها اللبنانية

paul gadalla

بولس جاد الله

مساهم في رؤى الراي

يكشف الخلاف بشأن قانون الانتخاب المقبل مدى الفساد الذي آلت إليه الطبقة السياسية في لبنان. فبعد انتخاب ميشال عون رئيساً، والذي كان وعد بإجراء انتخابات نيابية في حزيران/يونيو وهو يرفض أي تأخير في هذا المجال بعد الآن، احتدمت المعركة لوضع قانون انتخاب جديد على نطاق واسع في ما بين الأحزاب السياسية التي تتصلب في موقفها من أجل إعداد قانون يضمن لها مقاعد في مجلس النواب.

ويواجه لبنان مرة أخرى حالياً مأزقاً جديداً بما أن زعماءه يتجادلون حول ماهية قانون الانتخاب الذي يجب إقراره قبل إجراء الانتخابات النيابية لهذا العام. ويعتبر  نظام الانتخاب في لبنان مثيراً للجدل بطبيعته ولا يعدُّ الأسهل لفهمه في حال لم يكن الشخص معتاداً على نظام الحكم الطائفي للبلاد. كما تعتريه عيوب لم ترسِّخ بقوة سوى الأحزاب السياسية والفساد والإقطاع السياسي.

وينظر الزعماء اللبنانيون إلى عملية الانتخابات أصلاً كأنها لعبة الكراسي الموسيقية في ظل تحسر الأحزاب من أن أي خطة شاملة قد تقلل من عدد مقاعدها في البرلمان. فقد دعا زعيم الأقلية الدرزية في لبنان وليد جنبلاط إلى تعديل صرف لقانون الانتخاب السابق لعام ٢۰۰٩ (الذي كان مرتكزاً على قانون يعود إلى عام ۱٩٦۰) بما أن هذا الأمر يصون تمثيل الطائفة الدرزية. في غضون ذلك، دعا حزبا الشيعة الرئيسيين – حركة أمل وحزب الله – إلى تطبيق مبدأ التمثيل على أساس النسبية بالكامل بما أن ذلك يدعم أصوات الشيعة. أما صهر الرئيس عون، الذي هو أيضاً وزير الخارجية ورئيس الحزب السياسي السابق للرئيس، فقد اقترح  انتخاب ٦٤ نائباً على أساس التمثيل النسبي وانتخاب ٦٤ نائباً آخرين حصراً من قبل أشخاص من الطائفة نفسها وفق منظومة قوامها الرابح يأخذ كل شيء.

ويعتبر كل هذا الخطاب مثيراً للقلق إلى حدٍّ كبير. فبالرغم من أن كل الأحزاب لا تزال تقول باستمرار إنها ملتزمة بالديمقراطية، إلا أن تصريحاتها تبيِّن نواياها الحقيقية ألا وهي: المحافظة على حصتها من الجبنة. إذ من المثير للسخرية حين تكرِّس كل الأحزاب نفسها لإجراء انتخابات شفافة لكن تصريحاتها تظهر مخاوف بشأن المقاعد التي ستحصل عليها والتأكد من أن أشخاص من مذهبها حصراً يصوتون لصالح نواب من الطائفة ذاتها. وهذا ما يطرح السؤال التالي: ما الهدف من إجراء الانتخابات إذا كانت ستعيد إلى السلطة نفس الأحزاب والشخصيات فحسب؟

تغرق عملية الانتخاب في لبنان في وحول الطائفية والإقطاع السياسي وهي مثيرة للجدل بطبيعتها. ويصوِّت المواطنون اللبنانيون في دوائر انتخابية تتغير تقريباً في كل عملية انتخابات. وفي كل دائرة، تعمل الأحزاب السياسية والأسر الرئيسية على تشكيل لائحة من المرشحين الذين يمثلون الطابع الطائفي للدائرة وفق منظومة قوامها الرابح يأخذ كل شيء. وتلجأ الأحزاب السياسية في أكثر الأحيان إلى تشكيل تحالفات أملاً بخلق لائحة رئيسية يكون من الصعب منافستها. ومن أفضل الأمثلة في هذا المجال حركة أمل وحزب الله  اللذين يشكلان لوائح مشتركة في الدوائر الشيعية. فهما يستقطبان مجتمعين غالبية أصوات الشيعة، ويقضيان على أي آمال بفوز مرشحين مستقلين في الدوائر ذات الغالبية الشيعية.

لقد تمَّ تقسيم الدوائر الانتخابية على نحو متحيز في كثير من الأحيان بهدف خلق حكومات ضعيفة سياسياً نوعاً ما. فقد أنشأ كميل شمعون دوائر انتخابية صغيرة إلى حدٍّ كبير ما أتاح لقاعدته المسيحية استبعاد نواب مسلمين مؤيدين للعرب أثناء عملية التصويت. وخلال الاحتلال السوري في التسعينيات، والذي عارضه معظم الزعماء المسيحيين، جرى توسيع الدوائر الانتخابية، الأمر الذي حدَّ من تصويت المسيحيين. وفي عقلية الطائفة اللبنانية السائدة، ذلك يعني أن الناخبين المسلمين كانوا يصوتون للنواب المسيحيين. وتغير هذا الواقع على نحو جزئي في انتخابات عام ٢۰۰٩ الذي كانت فيه الدوائر مقسمة على أساس قانون ۱٩٦۰ الانتخابي ، وذلك بمطلب من الرئيس الحالي ميشال عون. وظلَّ الزعماء المسيحيون لاحقاً يتحسرون على أن قانون انتخاب عام ۱٩٦۰ لا يزال جيداً بما يكفي لتحقيق التمثيل الصحيح للناخبين المسيحيين، خصوصاً بالنسبة إلى الميسحيين المسجلين في دوائر ذات غالبية مسلمة.

مع ذلك، ثمة بارقة أمل. فقد فوَّض رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة الرجل المخضرم المعروف والوزير السابق فؤاد بطرس لإعداد قانون انتخاب جديد. وأوصت لجنته بإنشاء خليط قوامه دوائر كبرى في المناطق ذات الغالبية المسلمة مع التمثيل على أساس نسبي ودوائر صغرى يأخذ فيها الرابح كل شيء في المناطق ذات الغالبية المسيحية. ولا يزال القانون حتى تاريخه قابعاً في الأدراج لكنه يبرهن على أنه ثمة سبل ممكنة لإعداد قانون انتخاب أكثر من عادل. وفي انتصار  مهم حققته مجموعات المجتمع المدني، فاز جاد تابت، وهو مرشح مستقل علماني، على بول نجم، الذي كان مدعوماً من الأحزاب السياسية الرئيسية في انتخابات رئاسة نقابة المهندسين. ويعدُّ ذلك هزيمة للتركيبة السياسية اللبنانية بما أن انتخابات النقابات والاتحادات مسيَّسة إلى حدٍّ كبير ومن النادر جداً لمرشح يخوض السباق منفرداً ومدعوم من مجموعات المجتمع المدني أن يفوز بمنصب مهم. ويجب على الإصلاحيين ومجموعات المجتمع المدني أن يستمروا في ممارسة الضغط على الحكومة لإجراء الانتخابات النيابية في أوانها وتحت مظلة قانون انتخاب عادل يسمح بتمثيل ديمقراطي حقيقي ولا يفسح المجال لمجرد لعبة الكراسي الموسيقية في ما بين النخب السياسية.                    


*بولس جادالله خبير في شؤون الاتصالات من نيويورك ومحلل سياسي مقيم في بيروت، لبنان.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org