رؤى

لماذا لم تكن روسيا مهمّة أبداً

جيفري مارتن

مساهم في رؤى الراي

الكويت: يواصل العديد من الخبراء والأكاديميين والصحفيين الذين يستهوون ترويج الأخبار المشوّقة الحديث في الآونة الأخيرة عن منعطف في العلاقات الروسية-الخليجية. ولكن إن رجعنا إلى أبعد من ذلك، نجد أنّ هذه اللحظة لطالما تكررت في التاريخ الحديث، وبينما تستمر هذه الدورة، تبقى العلاقات الروسية مع الكويت وبقية الخليج كما هي: خطابية في المجمل وقليلة المضمون.

تعود علاقة روسيا بالدولة الخليجية إلى ما قبل تأسيس دولة الكويت المستقلة. عندما جاءت بعثة روسية إلى الخليج العربي في عام 1900، أجرىمبارك الكبيرمناقشات مكثفة مع الدبلوماسيين والعلماء الروس. وخلال مقابلة أحد هؤلاء العلماء، يشار الى أنّ الأمير قال له: “أنا أثق بأنّ الروس أصدقاء، ويسعدني استضافتهم. أنا مستعد دوماً للقيام بكل ما في وسعي لمساعدتهم”. ولكن القليل نتج عن هذه الاجتماعات باستثناء المجاملات الرسمية. وخلال السنوات الخمس والأربعين التالية لم يكن لروسيا فعليا أي دور يذكر في الخليج. ودام الأمر الى ما بعد الحرب العالمية الثانية حين أصبحت علاقة الكويت بروسيا أكثر من مجرد نزوة عابرة لموسكو.

في بادئ الأمر، لم تكن العلاقات الروسية مع الكويت طيبة. إذ استخدم الاتحاد السوفيتي حق النقض (الفيتو) مرتين لمنع قبول الكويت لدى الامم المتحدة عندما حاولت الانضمام بعدما نالت استقلالها عن المملكة المتحدة. وعلل السوفييت موقفهم هذا الى عدم قدرة الكويت على أن تكون دولة مستقلة. في الواقع، يعود ذلك إلى حد كبير لاسترضاء حليفهم في ذلك الوقت، العراق، الذي كان له طموحات توسعية في الكويت. بعد الشقاق الذي حدث بين السوفييت والعراق في عام 1963، وطّدت الكويت والاتحاد السوفييتي علاقاتهما في نفس العام. دفعت الكويت باتجاه تمتين هذه العلاقة، لأنها أرادت بوليصة تأمين تواجه بها أيّ عدوان عراقي أو إيراني. أما بالنسبة للروس فقد كانت الكويت بمثابة طريق للعلاقات مع دول الخليج الأخرى (انشأت روسيا علاقاتها مع دول الخليج الأخرى في النصف الثاني من الثمانينيات) حيث استخدمت كنموذج لإظهار فوائد اتخاذ موقف موالي للاتحاد السوفيتي.

ولكن ذلك لم يتعدى كونه مجرد نموذجاً فقط. حيث لم يثمر عن أيّ شيء في الواقع. فالحكومات الروسية المتعاقبة كانت تفتقر إلى الاهتمام وطبقت سياسات متفاوتة تجاه المنطقة. إنّ علاقات روسيا وسياساتها تجاه الخليج لطالما كانت مشتتة، وكانت دائما مبنية على التفكير قصير الأمد. وفي أوقات مختلفة، تشاركت القيادة الكويتية والسوفياتية نفس المخاوف بشأن إيران والعراق، وأيّد الاتحاد السوفييتي حيادية الكويت في عدة مناسبات خلال الحرب الإيرانية العراقية، مع أنّ معظم الدول حول العالم اتفقت على هذا الرأي. كما يجب أيضا أن ينظر الى الدعم السوفياتي للكويت خلال الاحتلال العراقي بنفس النظرة، حيث أن العالم بأسره قد اصطف بجانب الكويت وضد الغزو غير المشروع.

Embed from Getty Images

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أواخر عام 1991، أصبحت روسيا أقلّ نشاطاً في الشرق الأوسط عموما، حيث تراجعت عن أدوارها التقليدية في مصر وسوريا وجمهورية اليمن الجنوبي الديمقراطية السابقة. خلال التسعينيات كانت روسيا صامتة تقريبا فيما يتعلق بالخليج والسياسة في المنطقة، ففقدان الحدود البرية في القوقاز ووسط آسيا جعل العلاقات الدبلوماسية أقلّ ضرورة من السابق. وعلاوة على ذلك، فإن القيادة الروسية تحت حكم “بوريس يلتسين”، لم تكن مهتمة بالتنافس مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى التي كانت لها مصالح كبيرة في المنطقة وكفلت استقرارها السياسي. كان جلّ اهتمام روسيا منصب على ضمان السيطرة على حالة عدم الاستقرار المحتملة في الشرق الأوسط وعدم فيضها باتجاه آسيا الوسطى أو القوقاز، حيث مجال نفوذها التقليدي ومصدر استمرار عدم الاستقرار، لا سيما في الشيشان. في أواخر التسعينيات، كان المحور الرئيسي في العلاقة الروسية مع الخليج هو النشاط المتزايد للجريمة المنظمة الروسية، التي استخدمت المنطقة كنقطة مرور لتهريب المخدرات والأسلحة والبغايا.

سجّل ظهور “فلاديمير بوتين” صفحة جديدة للعلاقات بين الكويت وروسيا. وركزت السياسة الخارجية الروسية الجديدة على البراغماتية والمصالح الاقتصادية. وكانت السياسة الجديدة التي سنت في 28 يونيو من عام 2000 قد صيغت على النحو التالي:

ستعمل روسيا على استقرار الوضع في الشرق الأوسط، بما في ذلك منطقة الخليج وشمال أفريقيا، آخذة بعين الاعتبار تأثير الوضع في المنطقة على تنمية العالم عموما. وفي هذا السياق، ستكون المهمة الأساسية لروسيا هي العودة الى مواقفها القوية، وخاصة الاقتصادية، في هذا الوقت الخصب والمهم لمصالحنا في المنطقة.

هل تغير أي شيء؟ ليس بشكل ملحوظ. العلاقات الاقتصادية بين الكويت ودول الخليج وروسيا بقيت أضعف مقارنة مع تحالفات أخرى.

قبل عام 1990، كانت التجارة الثنائية بين الكويت وروسيا تقدّر بقيمة 400،000 دولار أمريكي فقط. وبدءا من عام 2000، تنامت العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ولكن التجارة الثنائية بين الكويت وروسيا تبلغ حاليا 400 مليون دولار. بينما كان أكبر عشر مستوردين من الكويت في عام 2013 هم الصين (14٪) والولايات المتحدة (10٪) والامارات (9٪) واليابان (8٪) وألمانيا (7٪) والسعودية (5٪) وإيطاليا (4٪) والهند (4٪) وكوريا الجنوبية (4٪) وفرنسا (3٪) وبقية العالم (34٪). أمّا روسيا باعتبارها منتجا للنفط والغاز الطبيعي، فهي بالتالي ليست سوق تصدير للخام الكويتي حيث لا تتطلب إمدادات ضخمة من الطاقة.

تأتي الواردات الهامة الوحيدة من روسيا ضمن قطاع الدفاع. وفي حين أن الخبراء يشيدون بشراء الأسلحة من روسيا في السنوات الـ 15 الماضية، بما في ذلك نظام الصواريخ S-400 للسعودية ونظام الدفاع الجوي بانتسير-1 للإمارات، أو شراء الكويت مؤخرا لدبابات T– 90M بقيمة 15 مليون دولار، إلا أنّ هذا لا يكاد يذكر بالمقارنة مع مشتريات الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة أو غيرها من البلدان الأوروبية. ما زالت العلاقات العسكرية بين الكويت وروسيا محدودة، ولا تصبح ذات صلة إلا عندما يكون هناك فجوة أو مسألة سياسية مع المورد الرئيسي لها، الولايات المتحدة. استثمرت دول الخليج عشرات المليارات في روسيا مؤخرا، في محاولة لتغيير المناخ السياسي في روسيا، وفقا لمقالة نشرت مؤخرا في مدوّنة “سايفر بريف”. وهذا قد يدل على تغيّر الوضع الراهن، ولكن الوقت ما زال مبكراّ لنعرف ذلك.

يبرز الدور السياسي الروسي في أزمة قطر الأخيرة شبح “منعطف روسي” آخر في الخليج. ولكن إذا كانت القراءة الدقيقة للتاريخ تخبرنا بأي شيء، فإن النفوذ الروسي في الخليج سيبقى على ما هو عليه، وهو مجرد شبح مقارنة بالدول الأخرى التي لها علاقات طويلة وثابتة في المنطقة. لم تكن العلاقة بين روسيا والكويت عالية المستوى أبداً لأن روسيا لم تستثمر على مستوى عال من التعاون وعلى مدى فترة طويلة.


*جيفري مارتن، طالب دكتوراة في قسم العلوم السياسية بجامعة تورنتو في كندا. يدرس السياسة الكويتية، مع التركيز على التطور التاريخي للقوة الاجتماعية والسياسية في الجمعيات التعاونية منذ أربعينيات القرن الماضي. يعمل جيفري أيضًا كاتبًا مستقلًا لدى مجلة زينيت الألمانية، ومستشارًا بمركز تحليلات دول الخليج البحثي في العاصمة الأمريكية واشنطن.


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org