رؤى

مجتمع ساخر

جيفري مارتن

مساهم في رؤى الراي

الكويت: في العام 2014 لاحظ الصحفي في جريدة (كويت تايمز) ذعار الرشيدي نمطاً متغيراً في السياسة الكويتية جعلني أفكر بمسألة التغيرات الاجتماعية والسياسية الكبيرة التي شهدتُها في الكويت على مدى السنوات الخمس الأخيرة. وبحسب ما رآه الرشيدي، فإن من بين التغيرات الكبيرة عن السياسات البرلمانية السابقة نذكر ارتفاع وتيرة التصريحات السياسية الشبيهة بمشاهد كوميدية أكثر منها خطابات مُتقنة للتعبير عن صوت الشعب. وقد أصبحت نبرة التصريحات ساخرة وتهكمية وهازئة تشبه المناظرات أو المشادات الكلامية عوضاً عن أن تكون محاولاتٍ صادقة لإيصال رسالة سياسية معيّنة. فما سبب التغير بهذه الظاهرة؟ ففي حين شهدت الساحة السياسية على مستوى العالم أجمع ارتفاعاً واضحاً في فظاظة التعبير وانعدام الاحترام (نعم أقصد بكلامي الرئيس ترامب)، شهدت الساحة السياسية في الكويت (والمنطقة) تحوّلاً نحو الخطاب الكوميدي الساخر، ما ساهم بتغيير المشهد السياسي ومستوى الهجاء بشكل عام.

ولعلّ أبرز الخصائص المجهولة في الكويت التي لا يلاحظها الغرباء عن البلد هو المشهد الكوميدي والتاريخ الغني بالهجاء السياسي الضارب في فنون هذا البلد الخليجي. كما يصادف أن تصاحب نشأته تغيرات في لغة الخطاب في الكويت. وعلى غرار ما ردّدته في مقالات سابقة، لطالما كانت الكويت مركزاً للثقافة والفنون في منطقة الخليج. ففي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، مصر كانت الوحيدة التي تألّقت أكثر من الكويت في هذا الدور. وقد عمدت الكويت لأن تكون رائدة لا سيما في مجال الهجاء، ويعود السبب في ريادتها إلى أن اللهجة الكويتية لهجة يسهل فهمها وتقبّلها من قبل شريحة واسعة من الجمهور.

          من جهة أخرى، تتمتع الكويت ببنية تحتية مهمة في المنطقة لإطلاق فنانين وممثلين بالتسهيلات اللازمة لتوزيع أعمالهم. وقد عُرفت بشكل خاص باستديوهات الإنتاج للموسيقى والأفلام خارج مصر في تلك الفترة. وقد حضر العديد من الفنانين المشاهير أمثال أم كلثوم من مصر إلى الكويت لتسجيل بعضٍ من أهم وأشهر أغانيه. كما كانت الكويت واحدة من أوائل البلدان التي استطاعت التواصل مع جمهورها نظراً لأنها كانت من أوائل البلدان في العالم العربي التي يدخل التلفزيون بيوتها.

          فضلاً عن ذلك، من المعروف أن حسّ الفكاهة لدى الممثلين الكويتيين يتمتع بأسلوب الكوميديا العدوانية يستخدم الأسلوب المرح في التعاطي مع المسائل السياسية ومع الأشخاص على الرغم من أنه لا يسمّي الأشخاص بأسمائهم حتى يتسنّى للجمهور أو المشاهِد أن يخمن الشخصية المقصودة بالفكاهة. وقد اشتهر بهذا الأسلوب المسلسل الكوميدي الكلاسيكي القصير “درب الزلق” من تمثيل مجموعة من الروّاد في الهجاء السياسي في المنطقة وهم عبد الحسين عبد الرضا، وخالد النفيسي، وعلي المفيدي. وفي هذا الإطار، صرّح محمد أكوا في برنامجه “شنو يعني” أن “حوارات المونولوج في تلك المشاهد كانت فريدة من نوعها حقاً”. وإلى جانب المقاطع الموسيقية الساخرة، والكوميديا الساخرة الشبيهة بأسلوب تشارلي تشابلن في كل مشهد، فقد أضافت كلها نكهة فريدة إلى الكوميديا في الكويت امتدّ تأثيرها إلى كافة أقطار العالم العربي. ولطالما كانت الكويت منبراً آمناً لحرية التعبير، لهذا، عمد العديد من الممثلين الكوميديين على تطوير فنونهم داخل البلد من دون التخوّف من الاضطهاد، كما يحدث في الدول الأقل تحرراً.

          أما تأثير هذا الأمر فيمكن أن نشعر به حتى هذا اليوم؛ إذ ما زالت المسرحيات الكويتية القديمة تُعرض على شاشة إم بي سي وعلى محطات أخرى عبر الستالايت أو الصحون اللاقطة، لا سيما خلال شهر رمضان المبارك. من هذه المسرحيات نذكر” فرسان المناخ” الكلاسيكية التي تُعرض في مختلف أنحاء المنطقة خلال الشهر الفضيل. وتتناول هذه المسرحية الحياة في سوق البورصة في (المناخ) بطريقة ساخرة، بعد أن انهار السوق على أثر عملية احتيال في العام 1982 ما تسبّب بخسارة الناس للمليارات من أموالهم. كما تعلّق المسرحية على البيئة الفاسدة للسوق والشخصيات التي تتعامل فيه. وقد رأينا هذا النوع من الهجاء خلال عملية الترشيح للانتخابات النيابية في نوفمبر العام الماضي. وقد انتهز الممثلون الكوميديون الفرصة للاستفادة من انتباه الشعب من خلال إنتاج العديد من المقاطع أو الاسكتشات التي تتناول مواضيع سياسية واجتماعية. كما ترشّح الممثل الكوميدي شعبان عباس، المعروف باسم “شعبولا”، للانتخابات في الدائرة الخامسة مطلقاً تصريحاً ساخراً. أما الممثل الكوميدي علي كمال الذي عُرف بدور “منصور” منتقداً فكرة الأبطال الخارقين مثل الرجل الخارق (سوبرمان) والرجل الوطواط (باتمان) فقال: “أنا، بصفتي رجل الكويت الخارق، قررت أن أترشح للانتخابات المحلية نكاية ببعض سياسيينا. إذ أنني أرى أن بعضهم قد اعتاد على الكرسي“. وانتشر هذا المقطع انتشاراً واسعاً على صفحات التواصل الاجتماعي في الكويت.

          يمكن أن نربط معظم هذه الأحداث بممثلي الكوميديا السابقين الذين مهّدوا الطريق لممثلي الكوميديا الجدد. إذ بدأ كل من أحمد الشمري وبشار الجزاف ومحمد أكوا المعروفين بالبرنامج الناجح على يوتيوب “شنو يعني” وبالمقاطع التمثيلية القصيرة سابقاً على تلفزيون فنون، بتقديم عروض كوميدية مباشرة في العام 2012. في البداية، كانت عروضهم بسيطة تتابعهم حفنةٌ بسيطة من الجمهور لا يتجاوز 150 شخصاً. واليوم أصبحوا يجمعون حولهم لفيفاً من المشاهدين المتابعين لا يقلّ عددهم عن الألف شخص. أما ما يميز تلك الأحداث السابقة هو مدى جرأتها بالتحدث عن أمور الجنس والسياسة والدين بطريقة لم يسبق أن عولجت من قبل. كما فتحت الباب للقيام بأمور أكثر جرأة، على غرار ما نراه عادةً على التلفزيونات في الولايات المتحدة وأوروبا بينما ينعدم تقريباً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إن استخدام طرق غير مباشرة للحديث عن مشاكل المجتمع يعدّ أهم صمام تحرير في أي مجتمع. وعلى حدّ تعبير أحد الممثلين الكوميديين، أنا لست “موجوداً هنا لإضحاكهم، إن ضحكوا فهذا رائع. وإن أردنا التعليق على شخصٍ ما أو مجتمع منتقدين سلوكهم، فلا بدّ من أن نقدّم الموضوع بإطار فكاهي ساخر، كي يتقبّله الناس أو يتعرّفوا عليه؛ وإلا فسيشكّل صدمةً بالنسبة إليهم.”

جلست مرةً مع محمد (أو مو) إبراهيم، صاحب شركة ألغاز إيفنتس التي تعدّ واحدة من أهم شركات الإدارة الرائدة للممثلين الكوميديين في للكويت، ثم تحدثنا عن تطور المشهد الكوميدي في الكويت ومساهمته في إطلاق الهجاء السياسي في المنطقة، لا سيما في ما يتعلق بالكوميديا الارتجالية أو (Stand-up Comedy). منذ العام 2010، اعتبر أنه مع إطلاق وكالات البحث عن مواهب والخدمات المهنية المتخصصة في تنظيم الأنشطة والفعاليات، ازداد الاهتمام بالعمل الكوميدي وبالهجاء السياسي بشكل كبير. وقد تضاعفت الرسوم على مختلف اللقطات والأعمال ما يقارب 16 ضعف الرسوم الأصلية وذلك منذ العام 2012، بينما ازداد الاهتمام بالأعمال العالمية كي تأتي إلى الكويت بعد أن ازداد النهم للكوميديا في السوق الكويتي.

يمكن أن نرى أن تطور الكوميديا الارتجالية، بالإضافة إلى التاريخ العريق للهجاء السياسي في البلد لهما تأثير ضخم على السياسة البرلمانية في الكويت. وبعد أن أصبح الجمهور أو المشاهد أكثر إدراكاً ومعرفةً بهذا النوع من الهجاء، فقد أصبحت تلك المشاهد أو الأعمال الفنية على الرغم من عدم تقبّلها، عاديةً بالنسبة إلى المجتمع. ربما هذا الأمر ليس بظاهرة محلية، لكن الحسّ الفكاهي الساخر للممثلين الكوميديين الكويتيين قد أثبت تأثيره بكل تأكيد.


جيفري مارتن طالب دكتوراه في جامعة تورنتو وهو حالياً يسكن في الكويت ويعمل كباحث زائر في الجامعة الأمريكية في الكويت


The opinions expressed in this article do not necessarily represent the opinion of Rai Institute for Strategic Studies and Research or any of its employees or affiliates unless so stated. Rai Institute for Strategic Studies and Research, is an independent entity and has no association with any government or any political body, and does not take positions on issues unless so stated. In the event of the use or quotation or re-work of any paragraph or an excerpt of which, the names of the organizers, writers, speakers, and Rai Institute for Strategic Studies and Research should be mentioned with the title and date of the article. The user agrees to credit Rai Institute at the end of each published article as “Copyright Rai Institute.” and (when applicable) include a hyperlink in the copyright which redirects to: http://www.raiinstitute.org